عن أيّة عروبة تتحدّثون؟

السفير هشام حمدان

أعربنا مرارا عن أسفنا وحزننا العميق، لسقوط هذا الكمّ من الضّحايا البريئة في إطار الحرب المفتوحة بين ما يسمّى محور “المقاومة” وإسرائيل. قلنا، أنّ ما قامت به إسرائيل، هو جريمة حرب، وإنتهاك للقانون الدّولي الإنساني. لكنّنا قلنا أيضا، أنّ هذا الأمر، لن يحقّق العدالة للضّحايا. شرحنا في مقالتنا السّابقة، أنّ المسؤول عمّا يجري على أرضنا، وبين بيوتنا، وندفع ثمنه غاليا، هي عقول خارجيّة، تدير صراعا واسعا يشمل المنطقة برمّتها. ومن الواضح، أنّ الذين يقومون بإدارة معاركهم في لبنان، لا يملكون القرار في مواجهة الأعمال التي تحدث. لكلّ دوره ضمن ما سمّي مجازا، قواعد اشتباك.

نحن نتألّم بصدق حتّى لمقتل قادة، وعناصر ما يسمّى حزب “المقاومة” في لبنان. هم أهلنا، وطاقات وطنيّة يخسرها بلدنا مجّانا. نقول مجّانا، إذ مهما كانت كلمات سماحة السّيّد حسن نصرالله، وقادة، أمثال الوزير السّابق وليد جنبلاط وغيره، جميلة، وعاطفيّة عن دور الإسناد الذي تقدّمه ما يسمّى مقاومة، ل”حماس” وأهل فلسطين، إلّا أن الحقيقة العارية، هي أنّها مجرّد كلمات تمنح بنيامين نتنياهو وحلفاءه في إسرائيل والخارج، المبرّرات لمتابعة عدوانهم على غزّة وأهلها، وعلى لبنان وأهله.

يطالعنا “مفكّر” من المقاومة (ناصر قنديل)، بأنّ سلاح القرن الحادي والعشرين، هو قرن السّلاح الإيراني، ومحور المقاومة. نحن نسأل كلّ الذين أشادوا بحرب “المقاومة” منذ 8 تشرين الثّاني، وأعربوا عن تأييدهم لها، وكرّروا معزوفة العروبة، وذكّرونا بتاريخ المقاومين ضدّ الإحتلال الإسرائيلي للبنان، ماذا حقّقت هذه الحرب لنا، ولأهل فلسطين، سوى الدّمار والشّهداء والجرحى والمعوقين؟ فغزّة، ما زالت تحترق، ونيرانها انتقلت إلى الضّفة الغربيّة، وغرقت الضّاحية الجنوبية في لبنان بدماء أبنائها. وهذا السّيّد وئام وهّاب يبشّرنا، بأنّ الأردن سيلحق بالضّفة. وها هي البوارج العسكريّة الغربيّة تتقدّم نحونا.

غزّة، ما زالت تحترق، ونيرانها انتقلت إلى الضّفة الغربيّة، وغرقت الضّاحية الجنوبية في لبنان بدماء أبنائها

ما قدّمته “المقاومة” ظلّ هامشيّا، قياسا بما حقّقه صمود المدنيّين الفلسطينيّين المشرّدين في العراء، تحت المطر، والشّمس الحارقة، يتضوّرون جوعا، وعطشا، ويرفضون ترك أرضهم. غزّة عاشت، وارتقت إلى قمّة القصص النّضاليّة البطوليّة في العالم، بسبب هؤلاء، بسبب حقوقهم في القانون الدّولي، بفضل الدّور الذي تقوم به المحكمة الجنائيّة الدّوليّة، ومحكمة العدل الدّوليّة، ومواقف دول مثل جنوب إفريقيا، لا بسبب سلاح ما يسمّى قوى إسناد، وغيرها. هؤلاء الفلسطينيّون، وأولئك المتمسّكين بالقانون الدّولي، هم المنتصرون على نتنياهو واليمين الإسرائيلي.

العرب غير راضين عمّا يجري من أعمال حربيّة على أرض فلسطين ولبنان. لكنّهم مدركون لأسبابها وخلفيّاتها، وأغراضها. هم لا يخفون أبدا ملامتهم لحماس، ومن خلفها (إيران)، لما قامت به بتاريخ 7 تشرين الأوّل /أكتوبر 2023، فيما كانوا على وشك تحقيق حلم إقامة دولة فلسطينيّة في فلسطين. حتّى إيران نفسها، إعترفت بأنّها فتحت باب جهنّم في غزّة ولبنان، لمنع “التّطبيع”. ليس لأنّها ضدّ التّطبيع، فهي أكثر اللّاهثين خلفه، بلّ لتحقيق مغانم في إطار عمليّة التّطبيع. لذلك، نسأل الذين يرفعون شعار العروبة، عن أيّة عروبة تتحدّثون؟ أين نحن من الواقع الذي كان قائما قبل 7 تشرين الأوّل/أكتوبر 2023؟

حتّى إيران نفسها، إعترفت بأنّها فتحت باب جهنّم في غزّة ولبنان، لمنع “التّطبيع”

إستمعت إلى تعليقات رئيس الحزب التّقدمي الإشتراكي السّابق، اشلأستاذ وليد جنبلاط، بعد تفجيرات أجهزة البيجر، وأجهزة اللّاسلكي. قرأ معاليه في التّاريخ، لكن بشكل مجتزأ. ففي التّعليق على جريمة الضّاحية، أشار إلى بعض وقائع أحداث عام ١٩٨٢-١٩٨٣، للتّاّكيد على حتميّة فشل إسرائيل في حربها ضدّ “المقاومة”، بقوله أنّ إسرائيل فشلت في اجتياحها للبنان حينه، بفضل المقاومة.
المواقف في التّاريخ لم تكن ظرفيّة، بل بأغراض وأهداف. تجاهل معاليه، أنّ هدف إسرائيل من إجتياحها للبنان عام ١٩٨٢، كان إنهاء المقاومة الفلسطينيّة فيه، والتي كان يقاتل مع حزبه الإشتراكي إلى جانبها بإحساس عروبي، وعشق لفلسطين. أين هي تلك المقاومة؟ ذلك الإحساس والعشق اللذين يعود معاليه إلى دفعنا لهما، هما اللذان جعلانا نتبنّى عام 1969، بإصرار وعزيمة، إتّفاق القاهرة المشؤوم، ممّا حوّل لبنان والجبل، إلى ساحة معركة أخرى في الصّراعات الإقليميّة، والدّوليّة على أرضنا. حقّقت إسرائيل أغراضها في حينه. وقد وقف معاليه يودّع المقاومة الفلسطينيّة على الرّصيف رافعا شارة النّصر. وإسرائيل لم تترك جبلنا إلّا بعد أن أغرقته ببحر الدّماء.

وقف معاليه يودّع المقاومة الفلسطينيّة على الرّصيف رافعا شارة النّصر

ثم أنّ معاليه، ربط في حديثه عن تاريخ الإجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982-1983، بين المقاومة الوطنيّة والمقاومة الإسلاميّة. وللتّذكير، لم يكن هناك مقاومة إسلاميّة في حينه، بل مقاومة وطنيّة، وما سمّي مقاومة إسلاميّة، قام بعد سنوات لاحقة. من يقرأ التّاريخ، يعلم أنّ إيران وبرعاية سوريّة، أسّست عام 1982، في البقاع، “حزب الله”، وذلك في وقت كانت فيه “قوّات المارينز”، والقوّات الفرنسيّة، والقوّات الإسرائيليّة، تنتشر في لبنان، بلّ في وقت كانت فيه إسرائيل تزوّد إيران بالسّلاح في حربها ضدّ العراق، وكان الرّئيس الأميركي رونالد ريغن يغطّي هذه العمليّة وفاء لوعده لإيران (فضيحة إيران غيت الشّهيرة)، بعد أن أخّرت إجلاء الرّهائن الأميركيين في طهران إلى ما بعد انتخابات الرّئاسة حينه، ممّا ساهم في فوزه ضدّ الرّئيس كارتر.

كان لإيران أغراضها تحت عنوان تصدير الثّورة الإسلاميّة إلى العالم العربي. كان الغرب سعيدا بهذا العنوان

أسّست إيران آنذاك، حركة “الجهاد الإسلامي”، وعلى مسمع ومرأى الأميركيّين والإسرائيليّين. وقامت بدفعها لتدمير السّفارة الأميركيّة في بيروت، ومقرّيّ المارينز، والقوّات الفرنسيّة. كان لإيران أغراضها تحت عنوان تصدير الثّورة الإسلاميّة إلى العالم العربي. كان الغرب سعيدا بهذا العنوان وما أدى اليه من نزاعات بين المسلمين في المنطقة. كلّ الأميركيّين، والفرنسيّين، والأجانب الذين خطفوا وقتلوا في لبنان، كانوا ضحايا جانبيّة (Collateral damages ) في الحرب الغربيّة المخفيّة بأذرع إيرانيّة، ضدّ القوميّة الثّوريّة العربيّة.

يعلم رئيس الحزب التّقدمي الإشتراكي السّابق، أنّ حركة الجهاد الإسلامي، لم تكن مقاومة وطنيّة، ولا إسلاميّة، بلّ كانت، كما هي اليوم ما يسمّى مقاومة إسلاميّة، سلاح إيران في مصالحها السّياسيّة الإقليميّة والدّوليّة. لا يمكن أن يتغافل الوزير جنبلاط عن أنّ من أشاد بها كمقاومة إسلاميّة ضدّ اجتياح إسرائيل للبنان عام 1982- 1983، هي التي إغتالت قيادات المقاومة اللّبنانيّة، حملة الفكر القومي الثّوري العربي، وبينهم أصدقاء له. وهي التّي روّج حزبه قبيل انتخابات عام 2022، أنّها تريد القضاء عليه.

كلّ من يقرأ التّاريخ يدرك أنّ الظّروف والمعطيات تبدّلت. لا نقول أنّ الأهداف الغربيّة العدائيّة ضدّنا تبدّلت، لكنّنا نقول أنّ الظّروف والمعطيات، تبدّلت.

كلّ من يقرأ التّاريخ يدرك أنّ الظّروف والمعطيات تبدّلت

كما أنّ الأدوات والأساليب، تبدّلت. سعينا دائما إلى المطالبة بقراءة معمّقة لهذه التّحوّلات، على أمل الإنسياق مع هذا التّواتر من التّبدّلات حتّى تحت عنوان المقاومة، والصّمود، والتّصدّي. لكن من دون طائل. لطالما قالوا لنا: على من تقرأ مزاميرك يا داوود؟

السابق
الموقف الاميركي «يتبدل» من «حرب المساندة».. ماذا عن «حزب الله»؟!
التالي
البيت الأبيض: التصعيد العسكري ليس في مصلحة إسرائيل