الموقف الاميركي «يتبدل» من «حرب المساندة».. ماذا عن «حزب الله»؟!

على الرغم من نفي الولايات المتحدة، معرفتها المسبقة بنية إسرائيل استهداف إبراهيم عقيل المطلوب اميركياً، إلا أن هذا لا يمكن التسليم به دون تمحيص، إذ لا يعقل أن استهدافاً بهذا الحجم، يمتنع العدو الاسرائيلي عن وضع الاميركيين في جوه، على غرار ما حدث في الهجوم الاستباقي في شهر آب الفائت، عندما أبلغ الاسرائيليون مسبقاً نيتهم بتنفيذ الهجوم، على منصات إطلاق الصواريخ التابعة ل”حزب الله”، ما يؤكد أن هناك تنسيقاً كاملاً بينهما.

يُفهم من الموقف الاميركي هذا، أنه يأتي من باب إقناع جميع أطراف الصراع، بأن الادارة الاميركية لا تؤيد توسعة الحرب، وهي وسيطٌ يعمل على تحقيق مصالح مختلف الفاعلين، تحديداً فيما يتعلق بطرفي حرب المشاغلة، أي اسرائيل و”حزب الله”، حيث كان الوسيط الاميركي آموس هوكشتين، نجم الدبلوماسية الاميركية في هذه المرحلة المعقدة من الصراع.

بيد أن ما أدلى به مستشار الامن القومي بالبيت الابيض جيك سوليفان، الذي حمّل فيه مسؤولية التصعيد ل”حزب الله”، والذي جاء فيه “الطريقة التي قدم بها الامين العام لحزب الله حسن نصر الله خطابه هذا الاسبوع فتحت جبهة الشمال”، يشير الى تبدّل واضح في الموقف الاميركي المواكب للمرحلة الثانية من الحرب، والتي بدأتها اسرائيل بعملية “البيجر”، ثم اغتيال قادة فرقة الرضوان، ثم توسيع دائرة القصف المكثف على كامل جغرافية الجنوب اللبناني، ويستمد هذا التصريح أهميته، من كونه صادر عن مستشار الامن القومي، الذي يكون في غالب الاحيان قريباً من الرئيس، باعتباره القائد الاعلى للقوات المسلحة، وعادة يتم اختيار المستشار كي يعطي الرأي، الذي يعبر عن المصلحة الاميركية، بعيداً عن التجاذبات السياسية والحزبية.

فالشخصية التي يجب أن تشغل منصب مستشار مجلس الامن القومي، تقدم رؤية مشتركة تتجاوز التناقضات داخل المجلس. وكل موقف يدلي به، يتضمن توجهات الادارة الاميركية السياسية حيال قضية ما، أو يعيد التأكيد على سياسة ما، فكل تصريح يصدر عن مستشار الامن القومي له وزنه، الذي يؤخذ على محمل الجد.

المستجد في موضوع المواجهات بين “حزب الله” واسرائيل المستمرة منذ 8 تشرين الاول ( اكتوبر)، أن جيك سولفان قد أيّد عملية اغتيال ابراهيم عقيل، معتبر أنها قد حققت العدالة، ما يعني أن هناك تبني اميركي وتغطية سياسية لهذا الاستهداف، وأي رد من قبل ايران او “حزب الله” سيجر الولايات المتحدة للتدخل، وهو موقف يحظى بموافقة لدى الرأي العام الاميركي الديمقراطي والجمهوري، لأن الشخص التي تم اغتياله مطلوب اميركياً منذ زمن.

جيك سولفان قد أيّد عملية اغتيال ابراهيم عقيل، معتبر أنها قد حققت العدالة

لا شك، ولو للحظة، بأن للولايات المتحدة حساباتها الخاصة، التي تختلف عن الحسابات الاسرائيلية، بدا هذا الامر منذ الساعات الاولى التي تلت عملية ” طوفان الاقصى”، فهي لا تضع جميع قوى محور “وحدة الساحات” في سلة واحدة، إذ لكل منها ملفه الخاص المختلف بمضمونه وأبعاده، وهذا ما دفع الادارة الاميركية، أن تطلب من الايرانيين القول، بأنهم لم يكونوا على علم مسبق بنية “حماس” الهجوم على مستوطنات غلاف غزة، لتكون طرفاً فاعلاً عندما تحين التسوية المنتظرة، إنما رفضها توسعة الحرب، لا يعني قبولها تهديد أمن اسرائيل، بل ستقف الى جانبها دون تردد، وستعامل الجميع على هذا الاساس ودون تمييز.

وفّرَ تصريح جيك سولفان لحكومة العدو الاسرائيلي ارضية سياسية، تتيح لها تصعيد العمل العسكري تجاه “حزب الله”، بغض النظر عن تداعياته التي قد تؤدي الى توسعة الحرب، عبر اجبار الطرف الاخر على القيام برد متماثل، فتتدحرج الامور نحو الاسوأ.

وفّرَ تصريح جيك سولفان لحكومة العدو الاسرائيلي ارضية سياسية، تتيح لها تصعيد العمل العسكري

بات واضحاً، بأن المتغوّل بنيامين نتنياهو، يعطي الموافقة السياسية على جميع العمليات ضد “حزب الله” من دون أن يحسب الحساب للمدنيين الابرياء، المهم لديه نجاح العملية واستنزاف خصمه حتى النهاية، وهو لا يعتبر نفسه معنياً، بما يحدده “حزب الله” من اهداف، بحيث يؤكد أمينه العام السيد حسن نصر الله، أنه بمجرد توقف النار في غزة، سيعلن وقف اطلاق النار من الجنوب، ويصبح بإمكان المستوطنين العودة الى منازلهم، إذ أن هذه المعادلة التي وضعها “حزب الله” قد لا يوافق عليه الاسرائيليون، الذين يصّرون على فصل الجبها،ت بهدف منع المحور الايراني من تحقيق مكاسب اضافية، انطلاقاً من وحدة الساحات.

المتغوّل بنيامين نتنياهو، يعطي الموافقة السياسية على جميع العمليات ضد “حزب الله” من دون أن يحسب الحساب للمدنيين الابرياء

إن دخول الحرب بين اسرائيل و”حزب الله” مرحلة جديدة، لا يأتي من فراغ، بل ينطلق من مستجد اميركي، يشير الى تخفيف القيود عن إسرائيل، التي كانت تصدها عن رفع وتيرة قصفها واستهدافاتها كي لا تشتعل الجبهات، وتقع الحرب المرفوضة من قبل الجميع، والتي ينتظر كل طرف أن يبدأ خصمه بها، لينفرد بالحجة المقبولة لدى المجتمع الدولي، باعتباره في موقع الدفاع عن النفس والمعتدى عليه، ووفق هذا المنطق تبرّر ايران عدم ردها على الاستهدافات الاسرائيلية، كي لا تعطي إسرائيل مشروعية بدء الحرب.

فعلى ما يبدو، إن اسرائيل قد استطاعت أن تحظى بالتأييد الاميركي والاوروبي، الذي عبّرت الكثير من التصريحات التي تحمل “حزب الله” مسؤولية بدء حرب المساندة، وأن إصراره على ربط للجبهات، يفقد لبنان التعاطف الدولي معه، خصوصاً وأن الحكومة الاسرائيلية قد غلّفت تصعيدها العسكري، بغلاف إنساني، وهو تحقيق العودة الآمنة لمستوطني الشمال الى مستوطناتهم.

اسرائيل قد استطاعت أن تحظى بالتأييد الاميركي والاوروبي

إن تبدل الموقف الاميركي المتساهل مع اسرائيل، لناحية زيادة الضغط العسكري على “حزب الله”، اتاح لإسرائيل أن تبني مواقفها العسكرية والسياسية على ثلاث ركائز، الركيزة الاولى، اكتساب شرعية التعاطف الدولي معها، الركيزة الثانية، تحقيق مكاسب عسكرية في غزة، ما اتاح لها نقل قوات الى جبهة الشمال، الركيزة الثالثة فقدان المغزى السياسي لربط الجبهات، وتأخر رد ايران و:حزب الله” على الضربات الموجعة، التي قامت بها اسرائيل، إن في الداخل الايراني أو السوري او اللبناني.

فكيف سيتعامل “حزب الله” مع هذا المعطى الجديد، وهل سيقف عن حدود الرد المدروس، أم سيقبل بمخاطرة الذهاب الى حرب موسعة في حال قررت اسرائيل ذلك، وما هو الموقف اللبناني الرسمي من كل هذه التطورات، وهل تجاوزنا القرار 1701، ام زادت اهميته كمفتاح أولي للتسوية؟

السابق
بسبب الإهمال 51 قتيلاً في انفجار منجم بإيران..وبحث مستمر عن مفقودين!
التالي
عن أيّة عروبة تتحدّثون؟