حارث سليمان يكتب لـ«جنوبية»: في ذكرى اغتيال بشير

حارث سليمان
يخص الناشط السياسي والأكاديمي الدكتور حارث سليمان "جنوبية" بمقال أسبوعي ينشر حصرياً على صفحات الموقع و منصاته الإلكترونية.

نحت الاستاذ منح الصلح تعبير “المارونية السياسية”، واصدره كعنوان لكتيب يعالج الأزمة اللبنانية في مطلع الحرب الاهلية، وركز فيه على مطلب المشاركة، من قبل رئيس الحكومة بالسلطة الاجرائية، التي كان النص الدستوري يوليها لرئيس الجمهورية منفردا، لا ينازعه بها أحد عندما يريد الانفراد، ورغم احترامي لمنح الصلح كمفكر وسياسي مثقف، الا انني اعتبر هذا المصطلح، الذي ساد لاحقا الخطب السياسية و أدبيات الأحزاب والأندية، هو مصطلح تلفيقي وخاطئ، فليس صحيحا ان الموارنة بمجملهم كطائفة كانوا يحكمون لبنان، بل فقط نخب تضم احزابا طائفية وزعماء عائلات سياسية، اما سواد الموارنة والمسيحيين، فقد كانوا كسائر اللبنانيين يقومون باعمالهم ويخضعون للقانون، ولم تكن قيادة الأحزاب وزعماء العائلات المارونية تحكم منفردة، بمعزل عن زعماء الاحزاب والعائلات المسيحية والاسلامية ومشاركتها، بل ان الفريق النخبوي الإسلامي كان يشكل جزءا من الحكم والسلطة، وان كانت هذه المشاركة ليست متكافئة ومتوازنة مع غلبة الفريق النخبوي المسيحي.

الهاتفون لمشروع الهيمنة الفئوية السافرة رغم هتافهم لبشير انما يرسلون اقوى رسالة دعم للسيد نصرالله

ما يزيد من فداحة الخطأ في تعبير “المارونية السياسية”، هو ان هذا التعبير استولد تعابير متناسلة ك”السنية السياسية”، لوصف تارة تحالف الحركة الوطنية بقيادة كمال جنبلاط وياسر عرفات، او لوصف “الحريرية السياسية”، كما استولد تعبير “الشيعية السياسية”، لوصف الثنائي المذهبي الشيعي، وواقع الامر اذا كان ثمة تشابه بين “حركة امل” و”حزب الكتائب” و”الحزب الاشتراكي”، من حيث البنية والمصالح والاداء في السلطة، واقتسام مواقعها وعائداتها، فإن وصف “حزب الله” ب”الشيعية السياسية”، يناقض تماما طبيعة الحزب، من حيث كونه مكونا جهاديا لا يدافع عن مصالح الشيعة ومكتسباتهم كطائفة، بل يستعمل افراد الطائفة الشيعية كمنصات لزيادة سيطرته على الدولة، وكحطب في مواقد طهران وحرائقها.

“حزب الله” من حيث كونه مكونا جهاديا لا يدافع عن مصالح الشيعة بل يستعمل افراد الطائفة الشيعية كمنصات لزيادة سيطرته على الدولة وكحطب في مواقد طهران وحرائقها

لم تكن “المارونية السياسية” صيغة واحدة، بل صيغ متعددة، ونحن نستعمل التعبير كخطأ شائع، ف”المارونية السياسية” في عهد بشارة الخوري، تختلف عنها في عهد كميل شمعون، والشهابية باميرها فؤاد شهاب وابنائها شارل حلو والياس سركيس، تلونت بتغيرات جوهرية بالاداء والممارسة، اما “المارونية السياسية” مع بشير الجميل فقد كانت الصيغة العسكرية المقاتلة والمتشددة، بوجه كل ماهو عربي، سواء كان سوريا او فلسطينيا او عراقيا او حتى مصريا، وكان بشير مشككا بلبنانية وانتماء، اكثر من نصف المسلمين بحجة ان لبنانيتهم منقوصة، عندما يقوم البعض بحصر “المارونية السياسية” بصيغة بشير لها، فانهم يظلمون الموارنة والمسيحيين كما ظلمهم مشروع بشير نفسه.

انا من عمر اصغر من بشير ببعض السنوات ( ٦ سنوات) ودخلنا الجامعة في نفس المرحلة السياسية، وانا متابعه طالبا، ثم نافذا في “حزب الكتائب”، ثم مقاتلا في “القوات اللبنانية”، ثم سياسيا في الجبهة اللبنانية، وما اعرفه من تفاصيل عن اعمال بشير وافكاره وقناعاته وخياراته، يتقارب مع معرفة اقرب المقربين منه…

إقرا ايضاً: «حماسة» الجيش الاسرائيلي لإجتياح الجنوب تربك الحكومة..وساعات مفصلية قبل التصعيد الكبير!

ما يمكن ان يناقش اليوم ليس صفاته الشخصية او خصاله، فهو متواضع، صريح واضح، شعبي، وغير فاسد او محب للمال والامتيازات، لكن هذا امر اصبح من الماضي، وتقتضي اللياقة بان نذكر محاسن الموتى، ما نناقشه بعد اربعة قرون مضت، هو مشروعه السياسي الذي يصر البعض على عدم اعتباره ماض مضى، بل حاضراً يتوجب تجديده، ولذلك فإن النقاش ليس لبشير الشخص والضحية، والتي يفترض احترام ذكراها كواجب لعائلته ومحبيه، وانما لمنظومة من الافكار والخيارات السياسية، التي يجري العمل لتجديدها وإعادة إطلاقها.

يفترض كثيرون، ان بشير تغير في آخر ايامه، هذا افتراض يتبناه البعض، ولا يوجد دليل عليه، بل هو دعاية وإعلان لقراءة نواياه، وهذا ليس ثابتا، والموضوعية تقتضي ذكر الحقائق الثابتة والمعلنة، وليس استبطان نوايا مفترضة.

فعليا حسب قراءتي، تصرف بشير تصرف المنتصر بعد الاجتياح الاسرائيلي وانتخابه رئيسا للجمهورية، وانتقل من مساحة الحد الادنى اي الوطن القومي المسيحي، الى مساحة الحد الاقصى وهو ال ١٠٤٥٢ كلم، لا فارق، بين الموقفين، لأن مشروعه الاساسي هو هيمنة فئوية سافرة، كانت شروط تحققها بداية ممكنة بالوطن القومي المسيحي، ثم اصبحت ممكنة بعد اجتياح اسرائيل على كامل لبنان.

مشروع بشير الاساسي هو هيمنة فئوية سافرة كانت شروط تحققها بداية ممكنة بالوطن القومي المسيحي ثم اصبحت ممكنة بعد اجتياح اسرائيل على كامل لبنان

ما نناقشه اليوم ليس الماضي المأساوي، وليس نبشا لآلام الحرب الاهلية، فمن حق عائلته ومحبيه ان يحتفلوا بذكرى اغتياله، وان يقيموا قداسا لراحة نفسه، كل ما في الامر، نريد التأكيد واستخلاص العبر؛

من أن بلدا كلبنان لا يمكن ان يتم حكمه بغلبة فئوية سافرة، تستند لدعم رافعة اقليمية خارجية، التجربة فشلت مع بشير، وستفشل مع “حزب الله” والسيد حسن نصرالله، و الذين يهتفون اليوم “بشير حي فينا”، لا يقدمون طاعة لبشير او استعادة وهمية لمشروعه، الذي فقد كل عناصر محتملة لنجاحه، او يعلنون عهد وفاء لاهدافه، فكل ذلك من الماضي الذي لا يمكن استحضاره مرة أخرى، الهاتفون لمشروع الهيمنة الفئوية السافرة رغم هتافهم لبشير، انما يرسلون اقوى رسالة دعم للسيد نصرالله.
ولذلك يستفز ويستدرج السيد نواف الموسوي محبي بشير لاسترجاع الهتاف “بشير حي فينا”.

السابق
«حماسة» الجيش الاسرائيلي لإجتياح الجنوب تربك الحكومة..وساعات مفصلية قبل التصعيد الكبير!
التالي
رحيل الياس خوري..الإعلام والثقافة يخسران أحد أعمدتها