هل أتاكم حديث «المساندة»؟!

ياسين شبلي

في اليوم التالي لعملية “طوفان الأقصى”، في الثامن من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، بدأ “حزب الله” من جنوب لبنان حربه مع إسرائيل، تحت شعار “المساندة” لغزة، عبر المشاغلة لقوات العدو في شمال فلسطين المحتلة، وهو ما أثار الجدل بين اللبنانيين من سياسيين وإعلاميين وأناس عاديين، ما بين مؤيد للعملية أو معارض لها، كلٌ بحسب موقعه السياسي والإيديولوجي، ولكل منهم مبرراته ودوافعه التي يتمترس وراءها، من دون الخوض كثيراً في المصطلح نفسه، ألا وهو “المساندة”، وهل هو شعار حقيقي ويتناسب مع الوقائع الميدانية، التي أظهرت التطورات بأنها مضبوطة تحت سقف معين، وإن كان سقف العدو للأسف دائماً، أعلى من سقف مقاوميه.

إقرأ ايضاً: إسرائيل ترد على نصرالله بتكثيف الإغتيالات..وأميركا مشغولة بصحة بايدن لا بتسوية غزة!

على أية حال، فإن شعار “المساندة”، ليس بجديد على تاريخ الصراع العربي – الصهيوني في المنطقة، منذ تأسيس الكيان الغاصب على أرض فلسطين العربية، فلطالما كان هذا الشعار مطروحاً في المنازلات السابقة، بحيث كان هناك جبهات رئيسية كالجبهة المصرية والسورية والأردنية، التي كانت تسمى دول الطوق – رحم الله تلك الأيام – وجبهات مساندة كالجبهة اللبنانية مباشرة، وبعدها تأتي جبهات المساندة الأخرى البعيدة نسبياً، التي كانت مساندتها تتم عن طريق إرسال جيوش أيام الحروب الكبرى، كما حدث في حربي 1967 و1973، وهي مساندة منطقية ومطلوبة، أو الدول الأبعد، التي كانت تقوم بإرسال معدات وأموال مساندةً لدول الطوق، لمساعدتها في تحمل أعباء الحرب، وهي مساندة محمودة وناجعة، بالمقابل كان هناك أفعال “مساندة” شعبوية وغير منطقية عالية السقف، والتي كانت تنم عن حماس متسرع ومبالغ فيه وغير عقلاني – بغض النظر عن العواطف النبيلة – من دون النظر والتبصر في نتائجها، وذلك عبر درس المعطيات الموجودة، سواء على الأرض أم في الفضاء السياسي العالمي وتوازناته، ما جعل من نتائجها، للأسف، كارثية في محطتين رئيسيتين على الأقل من تاريخ العرب الحديث .

شعار “المساندة” ليس بجديد على تاريخ الصراع العربي – الصهيوني في المنطقة منذ تأسيس الكيان الغاصب على أرض فلسطين العربية

المحطة الأولى، كانت قبل حرب 1967، عندما إنبرى النظام السوري الراديكالي آنذاك، بممارسة الديماغوجية والشعبوية في مواجهة الغطرسة الصهيونية، بتحويل إسرائيل مجرى نهر الأردن ليصب عندها، وذلك لسرقة مياه نهر الحاصباني من بحيرة طبريا، حيث يصب إلى النقب عبر أنبوب صناعي، فكان الرد العربي بمشروع مضاد مشترك ما بين سوريا والأردن، يقضي بتحويل مجرى النهر كي يصب في نهر اليرموك بالجولان، بدلاً من نهر الأردن ، ليتصاعد بعدها الصراع والإستفزازات الصهيونية ضد سوريا، التي كانت ترد بتصعيد مقابل، لكنه إرتجالياً شعبوياً وعشوائياً، أكثر منه تصعيداً مدروساً مبني على قواعد عسكرية وحسابات سياسية سليمة، ومن دون الأخذ بالإعتبار ميزان القوى على الأرض، سواء سورياً أو عربياً، حتى بلغ اللعب على حافة الهاوية منتهاه، فبدأ النظام السوري يُرغي ويُزبد، ويهدد بالويل والثبور وعظائم الأمور، ويقرع طبول الحرب، ويدعو العرب إلى مجاراته، ما دعا الرئيس المصري يومها جمال عبد الناصر، الذي كانت قواته غارقة في وحول اليمن، لإعلان النفير “مساندةً” لسوريا، بعد ورود أنباء من موسكو ليلة 13 أيار، عن أن إسرائيل تستعد للهجوم على سوريا، فطلب إنسحاب القوات الدولية من غزة وشرم الشيخ، وأغلق مضيق تيران أمام الملاحة الإسرائيلية، فكانت حرب 1967 معروفة النتائج الكارثية، التي سموها “نكسة” تخفيفاً، في حين كان مسؤولو النظام السوري، يرقصون في مجلس الشعب إبتهاجاً ب “النصر”، وذلك لعدم وصول إسرائيل إلى دمشق وإسقاط النظام، هذه الحرب التي ما زلنا كشعوب عربية نعاني من “نكستها” حتى اليوم، ونجهد ونقاتل وندفع الأثمان الغالية، في سبيل إسترجاع الأرض التي فُقدت يومها.

لطالما كان شعار المساندة مطروحاً في المنازلات السابقة بحيث كان هناك جبهات رئيسية كالجبهة المصرية والسورية والأردنية التي كانت تسمى دول الطوق

المحطة الثانية، كانت في عام 1973 إبان حرب تشرين / أكتوبر وكانت أيضاً تمس مصر وسوريا، عندما إختل توازن الميدان على الجبهة السورية، غداة إطلاق إسرائيل هجومها المضاد في الجولان، ما وضع القوات السورية في موضع حرج، ودفع النظام السوري للطلب من مصر، تشديد الضغط على الجبهة المصرية ضد إسرائيل “مساندة” للجبهة السورية لتخفيف الضغط عنها، فكان أن أمر الرئيس أنور السادات، بتطوير هجوم القوات المصرية شرقي القناة، بعد أن كانت توقفت بعمق 12 كلم، كما نصت خطة الهجوم بناء على دراسة إمكانيات القوات المسلحة، الأمر الذي رفضه رئيس أركان القوات المسلحة المصرية الفريق سعد الدين الشاذلي، لأن تطوير الهجوم يعني ترك القوات المهاجمة من دون غطاء جوي، ما يجعلها فريسة سهلة للطيران المعادي، أصر السادات ووزير دفاعه يومها أحمد إسماعيل على تنفيذ الأوامر، وكانت الكارثة التي توقعها الشاذلي، بحيث نجحت القوات الإسرائيلية، وسط الإرباك المصري في الميدان وبدعم إستخباراتي أميركي، من التسلل وفتح ثغرة سميت “ثغرة الدفرسوار”، لتنجح بالعبور إلى غرب قناة السويس، وتطوق القوات المصرية، لتنتهي الحرب تحت ضغط هذه الظروف بالصورة التي إنتهت إليها، والتي كان يمكن أن تكون نتيجتها أفضل، لولا قرار الرئيس المصري “مساندة” سوريا، الأمر الذي أضر بالجبهة المصرية، ولم يُفد الجبهة السورية.

“المساندة” غير المبنية على دراسة توظيف الحقائق لخدمة الهدف قد تأتي بنتائج عكسية تضر بالطرف المسانِد، ولا تنفع الطرف الآخر وبهذا تكون الخسارة مزدوجة

هكذا نرى، بأن “المساندة” غير المبنية على دراسة معمَّقة، للظروف الموضوعية القائمة على توظيف الحقائق لخدمة الهدف، قد تأتي بنتائج عكسية تضر بالطرف المسانِد، ولا تنفع الطرف الآخر، وبهذا تكون الخسارة مزدوجة، والقصد هنا، ليس القول بعدم مساندة الشقيق لشقيقه أو إغاثته، إذا ما إستطاع إلى ذلك سبيلا، ولكن المقصود هو ترشيد المساندة، بحيث تكون ذات فائدة أقله لطرف من الأطراف، حتى لا يعم الخراب والدمار، ونكون كمن، “لم يطَل بلح الشام ولا عنب اليمن”، كما يقول المثل العامي.

السابق
توفي متأثراً بجراحه..حسن مهنا شهيداً في غارة جبال البطم!
التالي
البحر «يُكشّف عن أنيابه»..31 وفاة غرقاً منذ بدء موسم السباحة!