أعلم أنّ هذه المقالة مغايرة ومفارقة لكلّ ماسبقها من مقالات أو مقدمات كنتُ كتبتها، ولكنّنيتعمّدتها محتسبًا “إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ”.. ولربّماأدركني فيها من كتاب شريعتي علينا ما أدركني.
لأكثر من ثلاثين سنة وأنا أكتب وأقدّم كتبالمرحوم الدكتور علي شريعتي باللغة العربية، وأحقّق وأعلّق على بعضها أحيانًا، لكن ما لا يعرفه الكثيرون أنّني أُشرف على طباعتها ونشرها في كلّ الأحايين حتى ناهزت 37 كتابًا امتدت لثلاثين سنةمرّت من العمر كأنّها البارحة أو أدنى..
قد لا تذكرك إلّا إذا بصمت في التاريخ بصمة غيرمفارقة
نعم، هكذا تمرّ السنون، وهكذا يمضي العمرفي برهة كأنّها الومضة الخاطفة التي تذكرها؛ لكن قد لا تذكرك إلّا إذا بصمت في التاريخ بصمة غيرمفارقة، وهذا ما ستحكم عليه ضمائر الأجيال التيأراهن عليها.
لقد بدأت في نشر كتب شريعتي سنة 1992م. عندما كان اسم شريعتي يثير الرعب؛ فضلًا عنالسخط الذي يصل إلى حدّ يهدّد حتى حياتك، لكنّني لم أعِر بالًا لكلّ من خوَّف، ولكلّ من حاربعلى أكثر من جهة، ومن قِبَل أكثر من جهة طيلة تلكالسنوات، لأنّني ببساطة كنتُ ولا زلتُ أؤمن بـ “إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا”، مضافًا إليه: إنّ النهايات تكتب أصحابها.
هكذا مضيت مع شريعتي، وهكذا تابعت معشيخ الإشراق السهروردي -في تخصّصيالأكاديمي- وها أنا أكمل الآن مع جردانو برونوالراهب الفيلسوف الذي أعدمته الكنسية الكاثوليكيةفي روما سنة 1600م حرقًا بالنار؛ لأنّه قال بلانهائية الكون وأفكار أُخر لم يستوعبها الصندوق المقدس. والملفت أنّ الثلاثة -شريعتي، السهروردي، برونو- كانوا من ذوي الأعمار القصيرة بمقياسالبصر لا البصيرة.
والحمد لله أنّني أنهيت في وقت قريب روايتي “أياممولانا وقواعد العشق الأربعون” ونشرتها بما يرضيمولانا الرومي كما أظن.
أمّا وقد تجاوزت الخمسين من هذا العمر الذي لاأعلم متى يأذن ربي بندائه وينتهي بلقاء أسلافي؛ يبقى عليّ أن أتمّ نشر بقية تراث شريعتي باللغةالعربية (حوالي 15 كتابًا)، وأيضًا، أن أكمل كتابة مذكراتي التي أظنّها ستكون ذاكرة نصف قرنمكنوز بالعِبرة والعَبرة لمن سيأتي بعدنا.. ذاكرة تربيةوبيئة وثقافة وحياة شخصية، ذاكرة تاريخ وأدبوشعر وسياسة وأحزاب ودين ومذاهب وفرق وأفكاروعقائد وأحداث ووقائع عاصرت وعايشت فيها منذوي الأرواح اللطيفة وغير اللطيفة في أكثر منعشرين بلد..! هذا ما أدعو الباري تعالى أن يوفقنيإليه، وألا يوقفني عليه.
ما تبقّى من أطفال غزّة هاشم ومنذ تسعة أشهر؛ باتوا في العراء
وكما جرت العادة، لا بدّ من وقفة مع شريعتي في ذكرى رحيله الـ 47، ولكن هذه المرّة سأقف مقابلشريعتي كطفل فلسطيني، كمرآة نجيبة التي لاتعرف إلّا الطين أصلًا، ولا تعترف إلّا بالنور فصلًا، وأصرخ من داخلها.. من الظل الممهور بروحها في الأجيال المقهورة على أعتاب السنين، وأصدح في الأعالي الموغلة عندما تسافلت العقول باسم الدينوالحرية والمذهب، وأصدع بما أُمِرْتُ به من شهادةعلى قلمي الذي حاولوا كسره لأكثر من ثلاثين سنةووقاني الله شرّ مشارطهم، وشرور شروطهم، وشطور خبزهم، وشرير موائدهم، وشرارات دهائهم_التنويري_ عندما زوّرا الشعلة الخلّاقة بنار النمرود، وادعوا وصلًا بإبراهيم ليفصلوا فلسطين عنجسد أمة حفيده محمد، وبعد قتل كل بائعيالياسمين في إعلامهم الرجيم، ما برحوا الآن يحاولون اقتطاع فلسطين لشذاذ الآفاق هدية سهلةالتطبيع والتمييع والتلميع باسم وحدة وسماحةالأديان، هذا، وغزّة تُباد عن بكرة هاشم، وأشلاءأطفالها صارت وشومًا ورجومًا في سماء العروبةالمغتَصَب.. فيا لله المتعال ويا للضاد المتهالكة.. ويالشريعتي الذي يُقتل في كل يوم ولا يساوم حتى منقبره الشامي، وهو الذي قال يومًا في كتابه “تاريخالحضارة”: “عندما تُلغى فلسطين منالوجود، ويُحتل بيت المقدس، ولا نسمع إلّاأصواتًا قليلة من علمائنا؛ فستكون كلالشعارات الدينية مجرّد مجموعة من الألفاظالتي لا تعني شيئًا“.. فيا أيّها المعلّم، ياصاحب الوجد العميق في مهج الثوار، إنّ ما تبقّى من أطفال غزّة هاشم ومنذ تسعة أشهر؛ باتوا فيالعراء، ولا كهف يأويهم ولا خيمة تحميهم منصواريخ أمريكا التي قلت عنها في كتابك مع”أعزائنا المخاطبين”: “أمريكا! أمريكا! هذه البلاهةالعظيمة، وهذا التوحّش المتمدّن، والبدوية العصرية..، والغزاة باسم القانون والحظ السعيد القذر، والحريةالهشّة، والديمقراطية الحمقاء، والتفرّد المصبوب فيقوالب موحدة.. وأخيرًا أمريكا هي تلك الجاهليةالعربية، بنبلائها القرشيين وعبيدها الحبشيين، وكعبتها المسمّاة تمثال الحرية، وسوق عكاظهاالمسمّى وول ستريت… وهنا وهناك وهنالك وفي كلّ مكان، طوائف يهود بني قريظة وبني النضير وبنيقينقاع أصحاب أسواق المال والذهب والمجوهرات، حتّى أصبح حجم تأثيرهم أكبر بملايين المرات.. كلّ جَمَل بسنامين، يقابله قاذفة القنابل القاتلة (BoeingB 52 Strattofotress) من سلاح الجو، ودار ندوةالمشايخ صارت وكالة المخابرات المركزية C.I.A، وكلّ أبي لهب هو جون فوستر دلاس وهنري كيسنجر، وكلّ حمّالة حطب هي حامية الأصنام العفريتةالسيدة آنا إلينور روزفلت، وكلّ وحشي قاتل الحمزةهو مويس تشومبي أو الجنرال لونول وفان تيو!”.
وأخيرًا أيّها المعلّم، وبعد 47 عامًا على رحيلك(19/6/1977)، هذه فلسطين لا زالت جرحك وجرحناالحقيقي الذي بقي ينزف منذ 1948، لكنّه الآن(2024) يحترق بنار العرب قبل الصهاينة، ولا منمغيث سوى فئة قليلة قد رحمها ربي بنار الأعمارالقصيرة، وتوهّجت على الموت بنور البصيرة.

