لبنان بين سندان إيران ومطرقة إسرائيل

السفير هشام حمدان

زرت لبنان مؤخّرا. لم تفاجئني إرادة الحياة لدى شعبنا. يبدو لبنان وكأنّه مثل أيّ بلد آخر، يعيش حالة السّلام والإنتظام العاديّين. في حين أنّ الحقيقة الدّامية، هي أنّه بلد منهك يفتقد كرامة السّيادة والإستقلال، ويخضع لإرادات خارجيّة، وتحوّل الى ساحة حرب مفتوحة.

شعب لبنان، لا يستحقّ هذا المصير. لقد كان لبنان مدرسة الشّرق، ومصرف الشّرق، والرئة التي يتنفس منها المواطن العربي، أوكسيجين الحرّيّة، وينعتق فيه، من قيود الأنظمة الشّموليّة والمحافظة، وعيون المخبرين، وسجون الظّلام، وعذابات السّجّان.

ماذا حصل لهذا الوطن؟ لماذا خانه أهل الغرب الذي وجدوه منذ القرون الماضية، ضالّتهم في نشر ثقافتهم اللّيبرالية، في أوساط الشّعوب العربيّة الخاضعة للإنغلاق بمختلف أشكاله.

أدرس الآن التطوّرات السّياسيّة في تركيّا خلال الحرب الباردة. استوقفتني عدّة مظاهر. يمكن بعد مراجعتها فهم الواقع الحالي في منطقتنا. لعلّ أهم هذه المظاهر، هو ما برز من تناقض في توجّهات الرّئيس عبد النّاصر القوميّة، وتوجّهات الدّول العربية والإسلامية غير العربية المحافظة القريبة من بريطانيا، ولا سيّما العراق خلال حكم نوري السعيد، وتركيّا خلال عهد مندريس.

ثمّة حالتان لا يمكن القفز عنهما. الواقع الخاصّ الذي كان يسود في العالم العربي، وخاصّة لجهة التّطلّعات المشروعة لشعوبها، للتّحرّر من الإستعمار الذي كان قائما في حينه، والمعزّزة بالمشاعر الجارفة ضدّ إسرائيل، مقابل الواقع الدّولي الذي كان يشغل الغرب، وخاصّة الولايات المتّحدة في اطار المواجهة مع التّمدّد السوفياتي والنظام الشيوعي.

يترك الغرب لبنان في ثلاجة الإنتظار وهو واقع اليوم بين سندان إيران الخمينيّة ومطرقة نتنياهو الصّهيوني صاحب الإيديولوجيا الصّهيونيّة الجغرافيّة

والسؤال الذي طرحته في بحثي، إتّصل بالموقف الأميركي من التّطلّعات العربيّة، والموقف العربي من الهواجس الأميركيّة. هل كان ثمّة حاجة في حينه، لمعاداة أميركا بسبب تطلّعات عبد النّاصر القوميّة والحقوقيّة؟
تبيّن الدّراسات، أنّ الولايات المتّحدة كانت متفهمة لمشاعر عبد النّاصر والعرب. وقد ساهمت بالتّوفيق بين مصر وبريطانيا وتوقيعهما في 27 تموز 1954، على اتّفاق لجلاء البريطانيّين من مصر. أمّا الرّئيس عبد النّاصر، فقد قدّم التّطلّعات القوميّة على المشاغل الأميركيّة والغربيّة. إعتقد عبد النّاصر، أنّ التحالف مع الغرب يخضعه ويخضع العرب لمشيئة هؤلاء، وأنّ عدم الإنحياز كاف لإقناع أميركا، أنّ الدّول العربيّة لن تكون ساحة للتّمدّد الشّيوعي.

لم يقتنع الغرب، ولا سيّما أميركا بهذا الموقف المصري. كانت تعتقد أنّ الدّول العربيّة عاجزة عن حماية نفسها من التّوسّع السّوفياتي، وأنه لا بد حلف أوسع يحقق الردع المطلوب. لذلك، كانت تدعو إلى حلف عسكريّ. وكان ملاحظا أنّها راعت الرّفض العربي لحلف بغداد، فلم تنضم له، رغم أنّها كانت الباعث له.

موقف الرّئيس عبد النّاصر لم يكن موقفا عربيّا جماعيّا. إنقسم العرب بين مؤيّد لعلاقات مع الغرب، دون المساس بنظام الدّفاع العربي المشترك، أو الموقف من إسرائيل. والموقف المتصلّب الذي يعارض أيّ تحالف مع الغرب. وهكذا، بدأت الحرب الباردة العربيّة. وما زالت حتّى الآن.

إقرأ أيضاً: علي ومحمد قاسم شهيدا لقمة العيش..ينضمان إلى «القافلة» في حولا

وقد نجم عن هذا الموقف المصري، توجّه أميركي وغربي حاسم نحو الدّول غير العربيّة جنوب الإتّحاد السّوفياتي (ألتّحالف الشّمالي، ولا سيّما إيران وتركيّا). وسرعان ما دفع الغرب بعامل الدّين، ليكون وسيلة لضبط هذا التّحالف الشّمالي وتعزيزه (خطّة بريجنسكي لعام 1979).

دعم الغرب ثًورة الخميني وفكره في ولاية الفقيه، شيعيّا، ودعم نهوض الأخوان المسلمين في تركيّا.

تحوّلت الحرّيّات في لبنان باكرا باتّجاه الفكر القومي الشّعبوي النّاصري والبعثي فقد لبنان مكانته في الغرب فاستعان بساحته لتفعيل سياسة الفوضى الخلّاقة

وهكذا بدأت لعبة الضّغط على من التزم الفكر القومي في الدول العربيّة، على تعدد أنماطه: النّاصري، والبعثي، وغيرهما. نحن الآن في مرحلة متقدّمة جدّا من هذه اللّعبة، التي يحلو للغرب تلقيبها بالرّبيع العربي، وهي في قاموسهم السّياسي، تعني الفوضى الخلّاقة.
تحوّلت الحرّيّات في لبنان باكرا، باتّجاه الفكر القومي الشّعبوي النّاصري والبعثي. فقد لبنان مكانته في الغرب، فاستعان بساحته لتفعيل سياسة الفوضى الخلّاقة.
غاب الفكر القومي منذ تدمير العراق، وبرز الدّور الدّيني. حقّق الغرب أوّل أهدافه بالقضاء على الفكر القومي رغم أنّه، كان باعثه، أوائل سنوات الحرب الباردة.
يخضع لبنان الآن وبقبول غربي صريح، لفكر الخميني. أمّا غزّة، فتخضع لهيمنة الأخوان. وبالمقابل، هناك إسرائيل بازدواجيّة إيديولوجيّاتها: الصّهيونيّة الجغرافيّة (إسرائيل الكبرى)، والصّهيونيّة المعولمة التي ترى السّيطرة على الإقتصاد العالمي، أكثر أهمّيّة من الجغرافيا الشّرق أوسطيّة.
لبنان الآن بين سندان إيران الخمينيّة، ومطرقة نتنياهو الصّهيوني، صاحب الإيديولوجيا الصّهيونيّة الجغرافيّة. وفي هذا الواقع، يترك الغرب لبنان في ثلاجة الإنتظار، فلا حلول قبل أن تنجلي الصّورة النّهائيّة: العولمة أم الجغرافيا؟

السابق
علي ومحمد قاسم شهيدا لقمة العيش..ينضمان إلى «القافلة» في حولا
التالي
هذه هي قدرات «بركان حزب الله» بعيون اسرائيلية!