لم تكن الحرب الأهلية اللبنانية، مجرد حرب أنهكت الوطن على مدى ١٥ عاماً، فقطّعت أوصاله وحوّلته إلى كانتونات جيو-سياسية، بل شكّلت مرحلة مفصلية بين “لبنان ماقبل الحرب” و “لبنان ما بعدها”، بحيث نقلته إلى طورٍ يمكن تسميته بزمن “ثاناتوس”. ورد “ثاناتوس” ، إله الموت، في الميتولوجيا الإغريقة، متخذاً شكل رجل مع جناحين. وتجلّت مهمته في البحث عن أرواح الموتى، وسوقها إلى الجحيم. بتعبير آخر، هو إله عديم الشفقة والرحمة، ولا يميّز بين الأفراد.
أطلق فرويد إسم ثاناتوس، في مؤلفه بعنوان “ما وراء مبدأ اللذة” في العام ١٩٢٠، على نزوة الموت أو التدمير، التي تحمل العدوانية تجاه الذات أو الآخر، بالإضافة إلى البحث عن التجارب الخطيرة والمدمّرة، وجعل منه مفهوماً أساسياً في نظريته التحليلية. كما أشار إلى الصراع الموجود، بين نزوة الموت (ثاناتوس) و نزوة الحياة (إيروس).
أنهكت ١٥ عاماً من الحرب التي عصفت بلبنان الحياة النفسية لبَنيه فمنيَ القسم الأكبر منهم باضطرابات مابعد الصدمة والقلق والاكتئاب
ولسنا هنا في صدد تناول الحرب الأهلية ومآلها على المستوى السياسي، وإنما نرمي إلى عرض موجزٍ لآثارها و تبعاتها السيكولوجية الخطيرة، التي ألقت بثقلها، ليس فقط على الجيل الذي عايشها، وإنما على “جيل ما بعد الحرب” الذي عانى أكثر من انعكاساتها.
إقرأ ايضاً: الحروب الاهلية اللبنانية المسلحة.. ما أشبه اليوم بالأمس!
تحتل الصدمات النفسية، حيّزاً كبيراً من مساحة الآثار السيكولوجية للحرب الأهلية. ويعود السبب في ذلك، إلى أن أنها تطلق العنان للعنف، فيتمظهر في شكله الأكثر تطرّفاً .
أنهكت ١٥ عاماً من الحرب التي عصفت بلبنان، الحياة النفسية لبَنيه، فمنيَ القسم الأكبر منهم باضطرابات مابعد الصدمة، والقلق، والاكتئاب… وكان من الطبيعي، أن تمدّ هذه الاضطرابات الخطيرة جذورها، في الحياة النفسية عند قسم كبير من الجيل، الذي عايش فترة مابعد الحرب، لأنه، وكما هو معروف، يتم توارث الاستعداد النفسي للأزمات النفسية، فضلاً عن أوالية التماهي.
لم تؤثر الحرب على الحياة النفسية للبناني فحسب بل نالت الهوية الوطنية ومعها بالطبع الانتماء الوطني نصيبهما من مخاطرها
لم تؤثر الحرب على الحياة النفسية للبناني فحسب، بل نالت الهوية الوطنية، ومعها بالطبع الانتماء الوطني، نصيبهما من مخاطرها. لم تصب الصراعات التي كانت قائمة على الانقسامات الدينية و السياسية، الهوية النفسية الخاصة باللبناني، نتيجة التوترات النفسية الداخلية و الخارجية التي عانها، إنما أضعفت هويته الوطنية، بعد أن ألقت به في حضن جماعته الطائفية، وعزّزت تعلّقه بطائفته على حساب وطنه. و ما ضعف الأحزاب المسماة بالعلمانية، وتقريباً “أفولها”، إلا دليلاً واضحاً، على أن اللبناني لم يستطع حتى الآن، التخلص من تعلّقه بطائفته، ناهيك عن عجزها عن الإسهام في إرساء ثقافة المواطنة. ولا يخفى من أن التنشئة الاجتماعية “الغالبة” في مجتمعنا اللبناني، ما زالت تقوم على تمجيد الطائفي والديني والمقدس، على حساب الوطني، وتشكّل بدورها أرضية صلبة للاوعي جماعي، يؤسس “لنماذج” بشرية مستلَبة ومسلوبة الإرادة، تستجيب وتتحرك بما يخدم مصلحة الزعيم، التي تتغذى، إن صح التعبير، على استسلامها و خنوعها.
أقحمت الحرب الأهلية لبنان في “سوق سياسي إقليمي” و رمت به بين أيدي مافيا دين سياسي تاجرت به بعد أن حاولت وما زالت “إعدام” إتفاق الطائف
ومن جهة أخرى، شكّل تجريد المسمّى “بالعدو الداخلي” ، والمقصود به المختلف ، من انسانيته مدخلاً إلى تخوينه و تشويهه. مما سهّل عملية العنف والأفعال الإجرامية في حقه، فوصلت في بشاعتها إلى حدّ التصفية الجسدية “على الهوية”. و لم تكن هذه التصفية، إلا تصفية للهوية الوطنية بعد إنكارها وأيضاً التنكّر لها…
أقحمت الحرب الأهلية لبنان في “سوق سياسي إقليمي” ، بعد أن نزعت عنه سيادته، و رمت به بين أيدي مافيا دين سياسية، تاجرت به بعد أن حاولت، وما زالت، “إعدام” إتفاق الطائف، الذي نادى بضرورة خلاص لبنان، وقيام دولة مدنية.
أخيراً لا بدّ من قلب معادلة، “لبنان هو لكل طوائفه”، إلى “كلّ طوائف لبنان هي للبنان”.

