مُتلازِمةُ الحِذاءِ ولُزُوميَّاتُ الفِداءِ

الدَّهْرُ، وما حَوَى عَليْهِ مِنْ حادِثَاتِ الأمورِ ومُحْدِثِيها، خَيْرُ مَا يُستَفتى في أحوالِ آلِ آدمَ على هذه الأرض. وإذْ أنَّ فُتْيَةَ الدَّهْرِ أَصْدَقُ إنْباءً مِنْ سَيفِ أبي تَمَّامَ والكُتُبِ، وإذْ أنَّ الدَّهْرَ لا يُفتي أَبَدًا إلَّا مَنِ اسْتَفْتَاه، وإذْ يُفتي الدَّهْرُ فأَوَّلُ فُتْيتِهِ أنَّ نَفَرًا مِنْ أُمَّةِ آدمَ، لا يَنِي أَحَدُهُم يُعانِدُ الدَّهْرَ عَامِدًا إلى هَدْمِ دَسَاتِيرِه، وإقامَةِ دُستُورٍ عَلَى لَيْلَاهُ. والدَّهْرُ، على ثَاني الفِسْطَاطَيْنِ، لا تُرَاوِدُهُ رَحْمَةُ رَاحِمٍ عَنِ المُضِيِّ في إِهَانَةِ هذا المُعَانِدِ عِندَ كُلِّ امْتِحانٍ.

الدَّهْرَ يَجودُ بينَ المَأْسَاةِ والمَهْزَلَةِ بأنْواعٍ مِنَ المُتلازِماتِ

عَلَى ذِمَّةِ أَحَدِ المَعْنِيِّينَ بِتَقْلِيبِ صَفَحاتِ الدَّهْرِ، وتَحْقِيقِ ما رُسِمَ في حَوَاشِيهِ مِنْ مَهازِلَ ومَآسٍ، اقْتُرِفَتْ على السَّوَاءِ في حَقِّ اللهِ والإنسانِ، وتَفْتِيشِ مَا عُنْوِنَتْ به تلكَ الصَّفَحاتُ مِنْ «هَزَائمَ» انْتَصَرَها الإنسانُ و«انتِصاراتٍ» مُنِيَ بها؛ عَلَى ذِمَّةِ المَعْنِيِّ هذا، فإنَّ الدَّهْرَ يَجودُ بينَ المَأْسَاةِ والمَهْزَلَةِ بأنْواعٍ مِنَ المُتلازِماتِ، التي تَبْعثُ المَعْنِيِّينَ بِدِراسَتِها على إعادةِ النَّظَرِ في مَعارِفَ شتَّى، ليسَ أَخطَرَها العِلمُ الذي يَدرُسُونَ المُتلازِمةَ على ضَوْءِ مَبادِئِه.

فِي حَضْرَةِ الحاضِرِ الهَازِلِ في جِدِّيَّتِه، أَوِ الجادِّ في هَزَلِيَّتِه على رِوَايَةٍ أُخرى، والهَازِلِ بِجِدِّيَّتِنا على الرِّوَايَتَيْنِ؛ في حَضْرَةِ الهَذَيانِ الجَمْعِيِّ الذي أَسْكَرْنَا أَنْفُسَنا به، ثَمَّةَ مُتلازِمةٌ لَازَمتِ العربَ طَوِيلًا في قَرْنِهِمُ الأخيرِ ولَمْ تَزَلَ سِمَةً دَالَّةً عَلَيْهِم، إلَّا ثُلَّةً مِمَّنْ رَحِمَ اللهُ. مُتلازِمةٌ فريدةٌ فَرَادةَ العَربِ، في بُؤْسِهم وشَقَائِهم الذي يَنْعَمونَ به؛ وأَوَّلُ فَرَادَتِها قابليَّتُها المَهُولةُ للتَّحَوُّرِ مَا يَجعلُها، على الحَقيقةِ، أقربُ إلى الفَيْروسَات. وإذْ مِنَ المُسْتَحَبِّ بين مَعْشَرِ العُلماءِ الاقتصادُ، في تَسميةِ الأشياءِ اقتصادًا، لا يَضُرُّ بِدَلالَةِ الإسمِ على المُسمَّى، وإذْ أنَّ التَّحَوُّرَ يَستَلزِمُ إعادةَ تَسمِيةِ الدَّاءِ، فليسَ ثَمَّةَ اسمٌ دالٌّ دَلالَةً جامِعةً مَانِعَةً، إنْ جازَ التَّعبيرُ، على الذي تَحوَّرَتْ إليه مُتلازِمَةُ العَربِ إلَّا اسمُ «مُتلازِمة الحِذاء»، التي يُقالُ في تَشخِيصِها أنَّ المُصابَ بها يَستحضرُ الحِذاءَ في مَوْرِدِ «الفِدَاءِ» ولُزُومِيَّاتِهِ، ما يَلْزَمُ مِنْها وما لا يَلْزَم، كَأنْ يَقولَ المُصابُ مَثلًا أنَّ الدَّمَ والعَرَقَ «فِداءٌ لحِذاءِ الزَّعيمِ»، أَوْ ما يُعادِلُ ذلكَ مِنْ مَحْكِيِّ اللُّغة.

العِبارةَ تَحمِلُ في ذاتِها مَوَارِدَ استدلالٍ تَجوزُ تَسميَتُها بـ «اللُّزومِيَّاتِ المَنطقيَّةِ»

قدْ يُخْتَلَفُ في تَصنيفِ هذه العِبارةِ تحتَ عُنوانِ «المَجازِ السِّياسيِّ» أو «إرادة المَعنى الظَّاهِرِ للمَبنى» أو غيرِهما مِنَ العَناوين، بَيْدَ أنَّ العِبارةَ تَحمِلُ في ذاتِها مَوَارِدَ استدلالٍ تَجوزُ تَسميَتُها بـ «اللُّزومِيَّاتِ المَنطقيَّةِ»، التي تَلزَمُ عَنْ تركيبِ العبارةِ بهذه التَّركيبةِ دُونَ غيرِها مِنَ التَّركيباتِ التي قد تُوفِّرُها لُغةٌ كالعربيَّةِ، تَعُدُّ مِنَ الكَلِمَاتِ أكثرَ مِنْ اثْنَيْ عشرَ مِليونَ كلمةٍ غيرِ كلمةِ «حذاء».

الفِداءُ هُنا يُرادُ به مَعنى بَذْلِ النَّفسِ في سَبيلِ المَفْدِيِّ. وأوَّلُ اللُّزومِيَّاتِ المَنطقيَّةِ للفِداءِ، أنْ تَكونَ ذاتُ المُفدَّى أسمى مِنْ ذاتِ الفِدْيَةِ؛ إذْ مِنْ أماراتِ غِيابِ العَقلِ أنْ يَفْتَدِيَ المَرْءُ الرَّخيصَ بالنَّفِيسِ، كالطِّفْلِ يَفْتَدِي اللُّعبَةَ بذَهَبِ الأرض. وهذا اللُّزومُ يَعني، في ما يَعني، أنَّ الذي يَفدي حِذاءَ الزَّعيمِ بنفسِه يكونُ، بالضَّرورةِ، قدْ حلَّ الإشكاليَّةَ المُتولِّدَةَ عنِ المُفاضَلةِ بينَ «نفسِه» مِنْ جِهة، و«الحذاء» مِنَ الجِهةِ الثَّانيةِ، وقد خَلُصَ إلى تَفضيلِ الأخيرَةِ على الأولى.

الفِداءُ هُنا يُرادُ به مَعنى بَذْلِ النَّفسِ في سَبيلِ المَفْدِيِّ

ثَاني اللُّزوميَّاتِ وأخطرُها، هو ما يُمكنُ أنْ نَصطَلِحَ عليه بـ «وِحدةُ الذاتِ الفادِية وتَعدُّدُ الذواتِ المَفْدِيَّة». على سبيلِ التَّفصيل؛ إذا كانَتِ «النَّفسُ» تُبْذَلُ فِداءً لذاتَيْنِ مُختَلِفَتَيْنِ، بالمَعنى المَنطقِي للذَّاتِ، فهذا يَسْتَلْزِمُ أنَّ الذَّاتَيْنِ في المَنْزِلَةِ نَفسِها، وليسَتْ إحْدَاهُما ضِدًّا للأُخرى. فلا يَصِحُّ الاعتقادُ بأنَّ «النَّفْسَ» يُمكنُ أنْ تُبذَلَ، فِداءً للنَّبيِّ وللشَّيطانِ في آنٍ واحدٍ، إذْ في هذا القِيلِ تناقضٌ مَنطِقِيٌّ مُتَوَلِّدٌ مِنْ حَقيقةِ، أنَّ ذاتَ النَّبِيِّ هي الضِّدُّ لذاتِ الشَّيطانِ، خَلقًا وخُلُقًا. ولا سَبيلَ إلى رَفْعِ هذا التَّناقُضِ إلَّا بأحَدِ افتراضَاتٍ ثلاثةٍ لا تُربَّعُ؛ إمَّا أنَّ النَّبِيَّ والشَّيطانَ في مَنْزِلَةٍ واحدةٍ على الحقيقةِ وهذا مُحالٌ تحقُّقُه لتضادِّ الذَّاتَيْنِ، ومُمكنٌ فَرْضُهُ لعَدَمِ استحالةِ فَرْضِ المُحالِ؛ وإمَّا أنَّ الذَّاتَ الفادِيَةَ تُنْزِلُهُما المَنزِلَةَ نَفسَها؛ وإمَّا أنَّ «النَّفسَ» تُبْذَلُ فِداءً لأحدِهما، والتِّيهُ مُتحقِّقٌ في الذَّاتِ الفادِيَةِ العاجزةِ، عن تَحديدِ الذَّاتِ المَفدِيَّةِ على الحقيقةِ. هذا التَّناقُضُ المَنطِقيُّ يَقَعُ، حينَ يُقرِّرُ نَفَرٌ مِنَ النَّاسِ بَذْلَ «أَنْفُسِهم» فِداءً للـ «حذاءِ» وللـ «قضيَّةِ» في آنٍ مَعًا. وإذَّاكَ على الباذِلِ نفسَه أنْ يَرْفَعَ التَّناقُضَ بأحَدِ رَافِعَيْنِ؛ إمَّا أنْ يُحدِّدَ لأيٍّ يَبْذُلُ نَفسَه، وإمَّا أنْ يَفتَرِضَ أنَّ حِذاءَ الزَّعيمِ والقَضيَّةُ سَواءٌ عندَه.

ثالثُ ما يَلزَمُ؛ أنَّه كُلَّما كانتِ الفِدْيَةُ أَقْرَبَ صِلَةً إلى الفادي، كُلَّما صارَ الفِداءُ بما هو أبعدُ مِنه عليه أَهْوَن. فعلى سبيلِ المِثالِ لا الحَصر، إنَّ «النَّفْسَ» وذَوِي القُربى هُما أَقْرَبُ إلى المَرْءِ مِنَ الشَّعبِ والوَطَنِ، وتاليًا فإنَّ «بَذْلَ» الشَّعبِ والوَطَنِ والتَّضْحِيَةَ بِهِما فِداءً للحذاءِ، أَهْوَنُ عِندَ الذي يَبْذُلُ نفسَه وذَوِيه.

كُلَّما كانتِ الفِدْيَةُ أَقْرَبَ صِلَةً إلى الفادي كُلَّما صارَ الفِداءُ بما هو أبعدُ مِنه عليه أَهْوَن

لعلَّ مِنَ القائلِينَ مَنْ يَقولُ أنَّ هذا التَّماهي في الفِداءِ، بينَ «النَّفسِ» و«القضيَّةِ» و«الحِذاءِ» عندَ الذَّاتِ الفادِيَةِ، مَرَدُّه إلى حالةِ التَّماهي القائمةِ بينَ «التَّديُّنِ» و«الدِّين» و«السِّياسة». رُبَّما يَصِحُّ هذا القِيلُ بشرطِ افتراضِ أنَّ إلهَ الدِّينَ والتَّديُّنَ المَذكورَيْنِ أعلاه، ليسَ الذي وَسَمَ بَني آدمَ بالتَّكريمِ مِنْ حَيثيَّةِ آدميَّتِهِما، وأنَّ نَبِيَّهُما ليسَ الذي يقولُ، أنَّ المُؤمِنَ عِندَ اللهِ أعظمُ حُرمَةً مِنَ الحَجَرِ، وإنْ كانَ حجرَ الكَعبةِ.

في المَعنى ذاتِه، وإنْ مِنْ بَعيدٍ، تحكي الحِكايةُ أنَّ المَسيحَ ذاتَ مَرَّةٍ أمرَ تلامِذَتَه الإثْنَيْ عَشَرَ، بما مَفادُه أن يَهجروا أهلَهم حتَّى يتَّبِعوه، فكُلُّهم وَجَدَ في نَفسِه بعضَ الحَرَجِ والمَضَضِ باستثناءِ يَهوذا؛ تلكَ الذاتُ التي «قرَّرَتْ» أنْ تَفدِي «حِذاءَ» النِّبيِّ بالـ «نَفْسِ» والأهلِ ثُمَّ باعتِ النَّبيَّ ذاتَه بثلاثينَ مِنَ الفِضَّة.

السابق
لمناسبة عيد الام.. ندوة طبية لجمعية وعي وادراك: الأمراض النسائية وسُبل الوقاية
التالي
بالفيديو: مجزرة الطيور المهاجرة بنيران «الجهلة»!