سلاماً وتحية لدولة جنوب افريقيا، لوطن نيلسون منديلا، ولحزبه المؤتمر الوطني الافريقي، لا لان هذه الدولة تبنت الدفاع عن الشعب الفلسطيني الاعزل، وعن المدنيين واطفال غزة ونسائها، بعد ان حوّلَتهم الحربُ الصهيونية المجنونة، الى ارقام وإحصاءات تثيرُ في أنحاء الارض وجنباتها، الغضب والاستنكار والشفقة، فهذا أمرٌ يُمكِنُ ان يستحق الثناء والشكر، لكن ما فعلته جنوب افريقيا كان حدثاً تاريخياً مفصلياً، لانه اعاد لشعوب الارض معاني انسانيتهم ومعايير اخلاقهم.
ما حَدَثَ في لاهاي مهم جدا، وعلى اكثر من مستوى وصعيد. ويتوجب قراءته والتفكر بابعاده، ومزاياه..
ما فعلته جنوب افريقيا كان حدثاً تاريخياً مفصلياً لانه اعاد لشعوب الارض معاني انسانيتهم ومعايير اخلاقهم
منذ النكبة الفلسطينية، حوَّل المشروع الصهيوني وطغمة الاستبداد العربي، بطبيعتيها المزدوجة القبضة الامنية والاصولية الدينية، حوَّل المنطقة العربية ودول المشرق الى غابة، يسود فيها منطق القوة، وشريعة الغاب، وممارسة السيطرة عبر البطش العاري وتمجيد العنف، فتَسيَّدَ صراعُ الاصوليات الدينية والصهيونية اولها، وتحولت حروب المنطقة الى صراع “وحشيات”، تستند الى اختلاف هويات وتنابذ حضارات.
ما حَدَثَ في لاهاي مهم جدا وعلى اكثر من مستوى وصعيد
دولة جنوب افريقيا التي ولدت كدولة ديموقراطية وحديثة، بعد ان حطمت نظام التمييز العنصري، الذي كانت تمارسة الاقلية البيضاء، والتي شكلت ١٥% من السكان، تجاه الاكثرية السوداء التي تشكل ٨٠ % منهم. وهي دولة اجرت مصالحة تاريخية بين البيض والسود، وتنقية للذاكرة الجماعية من احقاد النظام العنصري وجرائمه، عبر الاعتراف بالذنوب والجرائم، وممارسة التسامح والغفران بين الضحايا والمرتكبين، في حوارٍ مجتمعي، طال مختلف صانعي الخيارات او الحماقات، عبر تاريخ طويل من الصراع، وبعد ان قدمت لحركات التحرر الوطنية في العالم، زعيمها نيلسون مانديلا الذي امضى في السجن اكثر من ٢٧ عاما، رئيسا لفترة ولاية واحدة فقط 1994- 1999، ثم اخلى منصبه ليتم تداول السلطة، وتناوب الحكومات.
جنوب افريقيا هذه تعرف فلسطين كما تعرف نفسها
جنوب افريقيا هذه، تعرف فلسطين كما تعرف نفسها، فنظام “الابارتهياد” التي كان فيها يشبه نظام اسرائيل الحالي، وعلاقة النظام العنصري السابق للاقلية البيضاء مع النظام الصهيوني، كانت عضوية وتحالفية، لدرجة ان برنامج اسرائيل النووي، تم تنفيذ القسم الاكبر منه في نظام بريتوريا العنصري، والأغلبية السوداء التي جرى إستعبادها وقتلها وحصارها، في معازل بشرية تسمى “بانشوستان”، وتشغيلها بظروف العبودية، تشبه تماما الشعب الفلسطيني الذي طوقت مدنه وقراه بحيطان الفصل العنصري، وتم عزل مدنه وقراه، وتقطيع اوصال الضفة الغربية، واستبيحت ارضه ومزارعه واشجاره ومياهه ومنازله، من قبل المستوطنين وجيش الاحتلال، والمؤتمر الوطني الافريقي برئاسة نيلسون مانديلا يعرف منظمة التحرير بقيادة ياسر عرفات، حيث ارتبطت المنظمتين بعلاقات كفاحية ونضالية وتحالفية، على مدى اكثر من خمسين سنة مضت.
وطن مانديلا هذا، الذي قدم للبشرية دروسا غالية ونادرة، اولها نموذجا ناجحا لاسقاط نظام التمييز العنصري، وثانيها تجربة رائدة لاقرار العدالة الانتقالية، لمجتمع يشفي جراحه واحقاده، وينظف ذاكرته الجماعية عبر نبذ العنف ورفض منطق الانتقام والثأر، وثالثها رمز نضالي وقائد شعب، يمضي في سجن العنصرية ثلث حياته، ويغادر الحكم من الولاية الاولى، وكأنه يقول لزعماء الاستبداد والجمهوريات الوراثية والحكم الابدي والتوريث السلطوي، ان الامم والشعوب هي سيدة نفسها، وان رمز نضال الامم والشعوب لا يصح ان يكون اباً ليحكمها الى الابد، او يمنع تداول السلطة فيها، فلا اباء للشعوب، ولا اوصياء على مستقبل اية امة.
جنوب افريقيا هذه، بكل هذا المخزون من التجارب والمعايير، تقدم اليوم للبشرية معيارا جديدا، هو احترام القانون الدولي الانساني، بديلا عن سفر التثنية التوراتي، وتتبنى مبادئ حقوق الانسان، واحترام الحياة البشرية بديلا عن انفلات غريزة القتل البدائية، التي اطلقتها ادارة بوش الابن بعد احداث ١١/٩ وغزوة البرجين في نيويورك، وشكل ذلك عبر استراتيجية “الحرب على الارهاب”، وتبني المحافظين الجدد مقولة فرض القيم الاميركية، على دول العالم الثالث بالقوة الاميركية، شكل بداية للخروج عن النظام الدولي والقانون الانساني، وخرقا لالتزامات الدول بحماية المدنيين، خلال الحروب التي شنتها اميركا في افغانستان والعراق، كما تشكل خطوة لعودة المؤسسات الدولية الى تأدية وظائفها، فالذهاب إلى محكمة لاهاي، يعيد للسياسة والقانون الدولي موقعهما واهميتهما.
وفي ظل سعي ادارة جو بايدن، لمنع توسيع الحرب في غزة الى حرب اقليمية، فان محكمة لاهاي قد تسهل مسار توقيف الحرب، وردع اليمين القومي والديني الاسرائيلي، عن الإمعان في مشاريعه الاستيطانية.
جنوب افريقيا هذه بكل هذا المخزون من التجارب والمعايير تقدم اليوم للبشرية معيارا جديدا هو احترام القانون الدولي الانساني
إن جنوب افريقيا هذه دولة تعددية، فيها اعراق واثنيات واديان مختلفة، وهي ليست دولة اسلامية او عربية، وعدد الاقلية المسلمة فيها لا يتجاوز ثلث عدد سكانها، الذي يصل الى ٣٠ مليون نسمه، وان تبنيه قضية الدفاع عن شعب فلسطين، لا يتعلق بالدفاع عن المسجد الاقصى، او عن مقدسات اسلامية أومسيحية، بل إن الدافع الاساسي لهذا الدور الافريقي، هو اعتبار القضية الفلسطينية قضية تحرر وطني، ونضالا مشروعا في وجه احتلال اجنبي، ومواجهة مع كيان استيطاني يمارس سياسة الفصل والتمييز العنصري، ولذلك فإن هذا الدور يعيد للقضية الفلسطينية ابعادها الاصلية، كقضية تترسخ في ضمائر احرار العالم، من اجل تمكين الشعوب من حق تقرير المصير، بعد ان حاول الاسلام السياسي عبر ايران وحلفائها وحركة الاخوان المسلمين وحركة “حماس”، ان يركز في طروحاته وادبياته ودعواته، على اعطاء الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، طابعا دينيا إسلاميا صرفا، وهذا ما صب الماء في طاحونة اليمين الديني الصهيوني، بجعل الصراع في فلسطين، حربا دينية يقاتل بها اليهود الصهاينة، مدعومين من الكنائس المعمدانية الاميركية، لإستعادة ارض وعد التوراة بها شعب الله المختار، فيما يقاتل على الجانب الاخر اسلاميون يدافعون عن مسجدهم، ويرومون نيل الجنة عبر استشهادهم.
قد تكون محاولة التثبيت قانونا، أن ما تقوم به إسرائيل في غزة، هي إبادة جماعية، وهو بحد ذاته اعتراف ينصف لأول مرة منذ ما قبل ١٩٤٨، مظلومية الشعب الفلسطيني، لكن عرض القضية على محكمة لاهاي انجز، بمعزل عن اي قرار سيصدر عن المحكمة، تفكيك سردية اسرائيل حول الصراع، وانفضاح صورتها الاجرامية امام العالم اجمع.

