اللبنانيون يتحولون الى «شتامين» للهروب من واقعهم «اللعين»!

لبنان

تعدّ اللغة أداة رئيسية في الكشف عن شخصية الفرد و سماتها و طبيعتها، وأيضاً اضطرابها في حال وجوده . ويعود السبب في ذلك، إلى استخدامها من أجل التعبير عن المخاوف و الرغبات، والانفعالات، و الغضب، و العدوانية…. ومن هذا المنطلق، يمكن القول أنها قد تؤدي دورها كمرآةٍ تعكس طبيعة البنية النفسية، وما يعتريها من أحوال وتصرّفات.
وبما أن اللغة تعتبر وسيلة تعبير عن الذات، فمن الطبيعي و أيضاً البديهي، أن تحمل بين سطورها رسائل معيّنة يتوجّه بها الفرد إلى المحيطين به والآخرين، بغية الحصول على ما يمكن أن يصب في مصلحته أو مصلحة الآخرين. لذلك لا تنحصر أهميتها على المستوى الفردي فحسب، و إنما العلائقي.

يعكس استخدام السباب والشتائم والكلمات النابية توتّراً انفعالياً و عدم استقرار نفسياً من شأنهما إضعاف التفكير العقلاني وضبط النفس


و إذا ما تناولنا اللغة من زاوية جماعية، يتبيّن لنا أنها قد تشكل قاسماً مشتركاً لجماعة ما، فتعكس بذلك مواقف موحّدة. و كأنها تعرض “زياً” موحداً على مستوى السلوك و ردود الأفعال… وفي هذه الحال، يمكننا الحديث عن منحى فاشي أو عملية استنساخ!.. وهذا ما يمكن ملاحظته بشكل جليّ في المجتمع اللبناني، الذي يتخبط في طائفية التهمت مؤسساته التربوية وبناءه السياسي، وأنهكت حياته الاجتماعية و الاقتصادية….
و يتجلّى المظهر الأكثر خطورة، في ما يجري على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي و المواقع الاخبارية، من عرض مخيف للتعليقات، الزاخرة بالسباب والإهانات والكلمات النابية والتحقير والتجريح. ويظهر هذا الواقع عن وجود لغة مَرضية عند السواد الأعظم من اللبنانيين.

أوالية الاسقاط فهي تعني اخراج الشخص من ذاته كل ما لا يرغب بوجوده من مشاعر مؤلمة أو مواقف سلبية واسقاطها على الآخر


و تأتي المقاربة “النفستحليلية” الموجزة للظاهرة السلبية التي تم عرضها لتسهم، قدر المستطاع، في الكشف عن الأسباب التي قد تقف وراءها، وتعيق بدورها التواصل السوي، بين شرائح المجتمع اللبناني وفئاته.
يعكس استخدام السباب والشتائم والكلمات النابية، توتّراً انفعالياً و عدم استقرار نفسياً، من شأنهما إضعاف التفكير العقلاني وضبط النفس الذي يتسبب باضطراب في التواصل. و لا يخفى من أن تواصلاً مضطرباً يعني عدم استقرار نفسي! كذلك الأمر، يرتبط التعبير العدواني بتجارب و معاشات كدرة، اختبرها الفرد في ماضيه، أضعفت لديه تقديره لذاته، فأصبح يفتّش عن إثباتها لكي يحمي نفسه من الشعور بالاحباط.
ويكشف لنا تناول اللغة المرضية، المستخدمة على وسائل التواصل الاجتماعي من زاوية تحليليلة، إلى ملاحظة استخدام “ميكانزمات” أو أواليات نفسية دفاعية، وأبرزها الاسقاط والانكار.
بالنسبة إلى أوالية الاسقاط، فهي تعني اخراج الشخص من ذاته، كل ما لا يرغب بوجوده، من مشاعر مؤلمة أو مواقف سلبية، واسقاطها على الآخر في سبيل حماية نفسه، من الشعور بالألم أو تأنيب الذات.
أما فيما يتعلق بالانكار، فيتبدّى الدافع من وراء استخدام هذه الأوالية، في تجنّب الشعور باللاأمان ، والعجز عن ضبطه، بهدف حماية الذات منه. إذ يسمح للفرد بالهروب من المواجهة، مع ما يمكن أن يراه ضعفاً وخللاً في ذاته. وتجدر الإشارة إلى أن الإنكار، يعدّ أوالية أساسية في حالات الاكتئاب.
ومن هذا المنطلق، يمكن القول أن استخدام السباب والإهانات والكلمات النابية، يشكّل “عدّة” يستخدمها الفرد لتزييف ما يعتريه من شعور مؤلم. وكأنه يتلطّى وراء واجهة قوة وضبط النفس.
بتعبير أوضح، يسمح الانكار للفرد بما يسمى يإعادة التموضع. إذ يعمد إلى اتخاذ وضعية “فوقية” بدلاً من البقاء فريسة لعقدة النقص، الذي يتسبب سوء تقديره لذاته و إحباطه.
وتتجلّى ملاحظة أخرى تظهر في التعليقات، ولا تقلّ خطورة. وهي تتمثل في تجريد الآخر المختلف في آرائه و مواقفه من قيمه الإنسانية، و شيطنته وتشويهه، و تخوينه في سبيل تقديم التبريرات لاهانته وتحقيره.

يسمح الانكار للفرد بما يسمى يإعادة التموضع


كما أن استخدام العنف الكلامي، ليس إلا سعياً إلى حماية النفس ضد النقد الذاتي، الذي يحمل معه اللوم. و يتم ذلك من خلال الهجوم على الآخر.
خلاصة القول، لقد أظهرت وسائل التواصل الإجتماعي، ظاهرة بالغة الخطورة، و تتمثل في رفض الاختلاف، وإظهار التمسّك بالعيش المشترك على أنه كذبة. ويعود السبب إلى ما اقترفته طائفية السلطة السياسية، من إفراغ متعمّد لمؤسسات الدولة، بهدف التجييش الطائفي.

السابق
الجيش الإسرائيلي يدخل المرحلة الثالثة من الحرب في غزة
التالي
عياش لـ«جنوبية» عن الراحل ياغي: مدرسة في الوطنية والقرار الحر