يشكّل الشيعة إحدى مكوّنات البنية الديمغرافية – السياسية في لبنان. ومن هذا المنطلق، فإن ارتباطهم به يعدّ مصيرياً، هذا عدا عن كونه وجودياً. لكن بالمقابل، لا يخفى على أحد، من وجود منحى عام، يتمثّل في ارتباطٍ من نوع آخر وخاص، بينهم و بين جهات خارجية أو دول أخرى. وهو يحصل باسم الدين، ويهدّد انتماءهم إلى المحيط العربي وروابطهم معه.
وإذا ما تناولنا تاريخياً، وإن كان بفكرة عامة، وجود الشيعة و تأثيرهم في الحياة السياسية، فمن الملاحظ أنه لم يكن لديهم سابقاً، اي دور فاعل في “السيستام” السياسيّ، بحجم حضورهم الآن. ولقد جرت محاولات بهدف كسب مكانة أو موقع داخل “السيستام” المذكور، تمثّلت نتيجتها في إنشاء المجلس الشيعي الأعلى، الذي يتخبّط في أزمات بسبب حسابات شخصية ومصالح سياسية. بتعبير آخر، لم يدخل الشيعة في لعبة المحاصصات الحاسمة، المتعلقة بمسألة تكوين بنية لبنان السياسية وتأسيسها.
أتت الحرب الأهلية التي عصفت بلبنان لتعمّق معها الأزمة الطائفية وتجذّرها وتلاها اتفاق الطائف ومن ثم تحولات ديمغرافية
أتت الحرب الأهلية التي عصفت بلبنان، لتعمّق معها الأزمة الطائفية وتجذّرها، وتلاها اتفاق الطائف ومن ثم تحولات ديمغرافية …. ليسهم كلّ ذلك، في جعل الشيعة واقعاً مؤثراً في الحياة السياسية، بعد دخولهم في لعبة المحاصصة الطائفية. وتجلّى ذلك في المشاركة الحاسمة في السلطة، ونَيل حصتهم في الوظائف العامة والأجهزة الأمنية. وأصبح التقنين أكثر وضوحاً، فرسّخ معه حضور الشيعية السياسية، من خلال عملية تخصيص دائم وثابت، عبر رئاسة السلطة التشريعية، سواء من خلال الدستور أو من الممارسة.
ومما لا شكّ فيه، عزّزت الأحزاب الطائفية هذا التقنين أو التخصيص، فيما يتناسب مع مصالح من يرعاها أو حسابات طوائفها. و لا يخفى أيضاً، من أن هناك مصلحة خارجية، في أن يحظى الشيعة بحصة سياسية وامتيازات، في اتخاذ القرارات التي تتحكّم بمصير الدولة.
وإذا ما قاربنا مسألة التنوع داخل الطائفة الشيعية، الذي يعدّ محدّداً حاسماً في ارساء الديمقراطية وفاعلاً في بناء الدولة، فمن الملاحظ أن ما يجري هو مصادرة متعمَّدة لهذا التنوع، و يحصل ليس فقط على المستوى الشعبي، وإنما أيضاً الفكري والإيديولوجي. وحيث اضحت هذه المصادرة واضحة وجلية للداخل و للخارج على حدّ سواء. إذ تمّ “حصر” الشيعة و”حصارهم” أيضاً في جانب أو جهة واحدة، لها روابطها الخاصة مع جهات خارجية، ليُصار إلى ارتهانهم وتوظيفهم كورقة ضغط.
ما يحدث لا يحصل بهدف كسب الشيعة بقدر ماهو “تجيير لهم” وربطهم بمصالح إقليمية وليس وطنية
بمعنى أدق، إن ما يحدث لا يحصل بهدف كسب الشيعة، بقدر ماهو “تجيير لهم” وربطهم بمصالح إقليمية وليس وطنية. وهذا ما يشكّل تهديداً لارتباطهم بالعالم العربي!… إذ لا يمكن أن ينسجم واقع الطائفة الشيعة الغنية بتنوعها الفكري، والزاخرة بالنخب الثقافية والاقتصادية والكفاءات العلمية، مع سياسة مصادرة التنوع القسرية، ولا حتى مع فكّ ارتباطهم بالمحيط العربي، الحاصل على مستوى الهوية واللغة والثقافة والحضارة والجغرافيا…..
وهنا تتبدّى مسألة بالغة الأهمية، وتتمثل في أن الارتباط بالعالم العربي، يسهم في تصليب روابط الطائفة الشيعية مع المذاهب والأديان الأخرى. وبالمقابل، تؤدي أي محاولة لإحداث شرخ في هذه الروابط، مع هذه المذاهب و الأديان، دورها إلى عزلهم عن الثقافة والانتماء الوطنيّين والعربيّين، على حد سواء.
و يتجلّى ما يحدث بوضوح في وجود محاولة فرض هوية غريبة على الشيعة، ويظهر ذلك من خلال السلوك العملاني، بالإضافة إلى الممارسة على مستوى اتخاذ القرار الشيعي، التي تظهر مختلفة عمّا يتم المجاهرة بها. بمعنى آخر، تموّه هذه الممارسة نفسها بصبغة الوطنية والديمقراطية، لكنها تضع الشيعة في مكان آخر، أي تلقي بهم في مكان ملحق للخارج، وسيّما إيران، والتي بالرغم من وجود الروابط المذهبية بيننا و بينها، إلا أننا نختلف معها في انتمائها و هويتها وأهدافها. وهنا، نشدّد على احترام الثقافات الأخرى، و من بينها بالطبع الإيرانية.
وتتبدّى مسألة أخرى تحمل معها تهديداً للحياة السياسية، إلى حدّ ما، و تكمن في ما يجري داخل الطائفة الشيعية عملانياً، و يتمثّل في إفهام بيئتها، بأن الشيعة يثأرون لطائفتهم من مذاهب أخرى، عبر اعادة إحياء أحداث يجري تضخيمها، في سبيل استعادة أمجاد الطائفة. و يشكّل هذا التوظيف للأحداث التاريخية، ذريعةً لخصومة تجاه المذاهب الاسلامية والأديان الأخرى، وإطلاق العدوانية تجاهها، هذا بالإضافة إلى تجييش دين-سياسي إيديولوجي. ممّا ما يؤدي إلى إطلاق الفوبيا بين الطوائف.
وعلى هذا النحو، يمكن القول أن مشكلة الشيعة و معضلتهم، تتمثلان في محاولة إخراجهم عن الثقافة الوطنية والعربية. ويستدعي هذا الواقع الذي يعدّ خطيراً نوعاً ما، القلق ليس فقط على الطائفة و إنما الوطن.
وصحيح أن الحوار بين الحضارت يعدّ حاجة لمجتمعنا اللبناني، لكن هذا لا يعني التنكر لهويتنا العربية و شيعيتنا المعتدلة!…
وبناء على ماسبق، يفرض السؤال الآتي نفسه: “ما العمل المطروح على النخبة الثقافية الشيعية، لمحاولة منع فكّ الارتباط بين لبنان و بين محيطه العربي، مع التأكيد على الحفاظ على حريتنا وانتمائنا للبنان”؟
مما لا شكّ فيه؛ أنه يتوجّب إقامة نوع من التوافق بين علاقتنا بوطننا من جهة، و هويتنا وانتمائنا العربيّين من جهة، وهذا ليس بغريب بل هو تاريخي! …فلا يجوز مصادرة التنوع الشيعي تحت أي ذريعة، تغرّب الشيعة عن محيطهم العربي، و إلحاقهم بالسياسات الشيعية الأخرى، على قواعد روابط مذهبية ترتبط بمصالح اقليمية، ولا حتى إلصاقهم بمشروع قيام دولة إسلامية ….وهذا مرفوض!….
لا يجوز مصادرة التنوع الشيعي تحت أي ذريعة تغرّب الشيعة عن محيطهم العربي و إلحاقهم بالسياسات الشيعية الأخرى
و يجب التأكيد عل التوعية والحوار والتواصل بين الطوائف الأخرى، وإفهامها أن الشيعة ليس “كانتوناً”، بالإضافة إلى العمل على محاربة “الفوبيا” القائمة بين الطوائف.
ولا بدّ من العمل على إعادة الاعتبار للتنوع الشيعي المصادَر، لإبعاد لبنان عن محيطه العربي، من دون السعي إلى الغاء الآخر، مع الوقوف ضدّ إحداث شرخ داخل الطائفة، من خلال مواجهة سلمية و علمية وتوعوية، لعملية ضخّ الشعارات والصور والتعبئة الحاصلة، بهدف سلخ لبنان عن نفسه وعن محيطه العربي.
و يشكّل التنوع السياسي داخل كل طائفة، مدخلاً أساسياً لتجذير الديمقراطية والحرية، وقيام دولة مدنية.
إذ لا يمكن للحرية ولا للديمقراطية، أن تقومان على قاعدة عدم وجود التنوع المطلوب، داخل كل الطوائف وليس فقط الشيعية.
كما ينبغي التأكيد على الاعتدال الديني، لأنه المدخل إلى تعزيز ثقافة قبول الآخر. وهو يعيدنا إلى المذاهب والأديان الأخرى، مع الحفاظ على الخصوصية الطائفية في الواقع والتمثيل. إذ لا يجب أن يكون هناك كانتون خاص!…
وأما على المستوى السياسي، فمن المفروض أن يتم إدخال تحولات، تساعد على استعادة التنوع ، ليس فقط الشيعي، من خلال قانون انتخاب يتناسب مع هذا التنوع، إلى محاربة الفساد، إلى منع تأسيس المؤسسات الدينية النفعية….

