مع قيام الجمهورية الفرنسية الخامسة، وتولي شارل ديغول المسؤولية الأولى فيها، حصلت ضغوطات على فرنسا من حركات إستقلالية عدة في أفريقيا، وكذلك من بعض دول العالم، كي تتخلى عن مستعمراتها وتمنحها الإستقلال، الأمر الذي إستوعبه بذكاء الرئيس الفرنسي، ومنح الإستقلال للدول الأفريقية في غرب ووسط أفريقيا في العام 1960، لكنه سعى في الوقت نفسه لإبقاء هذه الدول مرتبطة بفرنسا، عبر القوة الناعمة بدلاً من الإستعمار المباشر، فكان أن إستدعى صديقه جاك فوكار، وعينه في منصب كبير مستشاري الحكومة الفرنسية للسياسة الأفريقية، ومن ثم منصب السكرتير العام للإليزيه الذي شغله في الفترة من العام 1960 وحتى العام 1974، وكلَّفه بإيجاد وسيلة واقعية لإستمرار هذا الربط، وذلك إنطلاقاً من مصالح فرنسا، التي تعرف ما تحتويه إفريقيا من ثروات هائلة، من نفط ويورانيوم وذهب والماس، وغيرها من المعادن والمواد الخام التي تحتاجها فرنسا والعالم في صناعاتهم.
بدأت خطط جاك فوكار لإحتواء دول القارة، بداية عبر ربط هذه البلدان المستقلة حديثاً بالاقتصاد الفرنسي، وذلك عبر فرض مواصلة تعامل هذه البلدان بعملة “الفرنك الأفريقي”، الذي يُتداول في حوالي 14 دولة، وينقسم إلى قسمين وهما فرنك دول غرب أفريقيا وفرنك دول وسط أفريقيا، وإن كان يحمل نفس القيمة، وهو الفرنك المسمى إختصاراً بال cfa، والذي تتحكم باريس بطباعته وتحديد قيمة تداوله وقوته الشرائية، وذلك عبر إلتزام جميع البنوك المركزية للدول الأفريقية المعنية، بالإحتفاظ ب 50 % من إحتياطي العملات الصعبة لديها في البنك المركزي الفرنسي، كما أن حوالي 85 % من مداخيل هذه الدول، تمر تحت رقابة المركزي الفرنسي.
واكب هذه الإجراءات في السياسة، إقامة ما يمكن أن يسمى نظام أو مؤسسة، أو بالأصح شبكة فرنسا – أفريقيا، وهي في الظاهر عبارة عن تجمع يضم فرنسا والدول الأفريقية، التي كانت مستعمَرة من قِبلها، على غرار دول الكومنولث البريطانية تقريباً، ويُترجَم بقمة فرنسية – إفريقية تعقد سنوياً، لتنظيم العلاقات بين الجانبين، لكنها في العمق كانت تمثِّل “حكومة” أفريقيا – إذا جاز التعبير – وكان أول من أطلق هذا الإسم – فرانس أفريك – على نظام التعامل هذا، هو رئيس ساحل العاج الأول بعد الإستقلال فيليكس هوفويه بوانيي، وهو كان يمثل مع الرئيس السنغالي الأسبق ليوبولد سيدار سنغور، النخبة الأفريقية المؤيدة والموالية للنموذج الفرنسي والغربي في الحكم، أطلقه يومها بمعنى إيجابي، حيث أن التعاون الوثيق بين هوفويه بوانيي وجاك فوكار، ساهم فيما كان يعرف ب “المعجزة الإيفوارية” – كذلك السنغالية – في التنمية الإقتصادية التي كانت مميزة فعلاً، في سنوات ما بعد الإستقلال وحتى منتصف الثمانينات، حين بدأ التضييق على ساحل العاج من قِبل إدارة الرئيس الفرنسي الاشتراكي فرانسوا ميتران، بدعوى الإصلاح السياسي وإقامة التعددية الحزبية، من منطلق علاقة ميتران مع زعيم الجبهة الشعبية العاجية لوران غباغبو ذو التوجه الإشتراكي، والمقيم منذ العام 1970 في الخارج، وقد تكون العلاقات الشخصية قد لعبت دورها بين الرئيسين، بحيث كان واضحاً أن لا كيمياء بين الرجلين، وكان الحذر يسود تعاملهما (وهذا ما سنتوسع فيه لاحقاً).
أقرأ أيضاً : نظرة على العلاقات الفرنسية-الأفريقية (1/3): الطريق إلى الجمهورية الخامسة..والإستقلال!
كان هدف نظام التعامل هذا، كما وضعه جاك فوكار يتمثل بثلاثة أهداف، الأول إقتصادي يتمثل بتوفير المواد الخام من نفط ويورانيوم ومعادن لفرنسا، مع توفير فرص إستثمار واسعة للشركات الفرنسية الكبرى. الهدف الثاني دبلوماسي يتمثل بالحفاظ على وضع فرنسا كقوة عالمية، وذلك بإقامة شبكة من دول حليفة تدعمها في المحافل الدولية. الهدف الثالث سياسي بطبيعة الحال يتمثل بمحاولة منع التوسع الشيوعي في أفريقيا، وذلك بدعم التنظيمات والأحزاب المعادية للشيوعية من جهة، وبإقامة قواعد عسكرية في القارة، تكون أيضاً رادعاً لأي إنقلابات قد تحصل ضد الأنظمة الموالية لها.
لاقى عمل هذه الشبكة التي وضع أسسها فوكار، وكانت تطبيقاً لتوصيات ديغول عن القوة الناعمة، نجاحاً نسبياً في كل من ساحل العاج والسنغال بشكل خاص، في ظل حكم كل من هوفويه بوانيي وليوبولد سنغور، بما يمثلانه من زعامة سياسية معتدلة، تعبِّر عن النخبة المؤيدة للنموذج الفرنسي في الحكم كما ذكرنا آنفاً، ما جعلهما قادرَين على التفاهم مع فرنسا، لكن لم يخل الأمر من مصاعب مع بعض القادة الآخرين، الذين حاولوا مقاومة نظام “الفرنك الأفريقي”، لكنهم سرعان ما واجهوا مصاعب جمة وعواقب، أدت في النهاية للإنقلاب عليهم، من هؤلاء الرئيس المالي ذو التوجه الإشتراكي موديبو كايتا، الذي حاول في العام 1962 الخروج من منطقة الفرنك الأفريقي، فأنشأ الفرنك المالي فقوبل قراره بعزلة إقتصادية عن دول الجوار، ما أدى إلى تضخم شديد جلب عليه إستياء السكان، خاصة الفلاحين ورجال الأعمال، فلجأ لسجن المعارضين ما ولّد بعدها إضطرابات عامة بدأت في العام 67 وأدت إلى الإطاحة به عام 68، ليتولى السلطة نظام عسكري حظي بعدها برعاية فرنسية كاملة حتى بداية التسعينات، كذلك رئيس توغو الأسبق سيلفانوس أوليمبيو وذلك قبل إغتياله عام 1963، عندما سعى لإقامة مشروع نقدي مستقل لتوغو، فكان أن تم إغتياله بصورة دراماتيكية، حيث وجدت جثته أمام بوابة السفارة الأميركية، بعد إطلاق النار عليه من قِبل أحد قادة الإنقلاب المدعو غياسنغبي إياديما، في أول إنقلاب عسكري في أفريقيا بعد الإستقلال، إياديما هذا عاد وقام بإنقلاب آخر عام 1967 ليتسلم الحكم مباشرة، حيث بقي فيه مدعوماً من فرنسا حتى العام 2005.
لاقى عمل هذه الشبكة التي وضع أسسها فوكار، وكانت تطبيقاً لتوصيات ديغول عن القوة الناعمة
كما تكررت مأساة الرؤساء المعارضين لفرنسا في بوركينا فاسو، مع الزعيم الثوري توماس سانكارا، الذي إستولى على السلطة بإنقلاب عسكري، لاقي تأييداً شعبياً عام 1983، وتركزت شعاراته على محاربة الفساد والتحرر من الهيمنة الفرنسية، وحقق بعض النتائج الإيجابية في سياساته الإقتصادية والإجتماعية، وباتت أفكاره ملهمة للكثير من الشباب الإفريقي، ما أثار تخوف القادة الأفارقة من إنتشار هذه الأفكار، فكان أن تحالفوا مع فرنسا، التي كانت لا تكن الود له بطبيعة الحال، فتمت الإطاحة به وقتله عبر إنقلاب عسكري بقيادة رفيقه وصديقه بليز كومباوري عام 1987.
كما تكررت مأساة الرؤساء المعارضين لفرنسا في بوركينا فاسو، مع الزعيم الثوري توماس سانكارا، الذي إستولى على السلطة بإنقلاب عسكري
وهكذا كانت سياسة العصا والجزرة، هي المتبعة في سبيل الحفاظ على مصالح فرنسا، فكان أن دعمت فرنسا أنظمة عسكرية ديكتاتورية، كنظام موسى تراوري في مالي وإياديما في توغو وموبوتو سيسي سيكو في زائير، وغيرها الكثير من الأنظمة التي تزاوجت فيها الديكتاتورية والفساد المالي، كنظام عمر بونغو في الغابون ونظام بوكاسا في أفريقيا الوسطى، الذي نصَّب نفسه إمبراطوراً، الأمر الذي لم تتحمله السياسة الفرنسية، خاصة وقد تزامن ذلك مع تقربه من نظام معمر القذافي، والكشف عن هدية تلقاها منه الرئيس الفرنسي جيسكار ديستان وهي عبارة عن قطعة من الألماس، فكان أن دعمت إنقلاباً عسكرياً ضده في العام 1979، بعد أن إتهمته بقتل تلامذة المدارس وأكل لحومهم وهي التهمة التي أسقطتها عنه المحكمة فيما بعد بينما أكدت تهمة القتل.
وهكذا كانت سياسة العصا والجزرة، هي المتبعة في سبيل الحفاظ على مصالح فرنسا
كما تدخلت عسكرياً في الكثير من الدول، بحيث سجِّل أكثر من 40 تدخلاً في السنوات ال 60 الماضية، وهو ما سمح لها بإستغلال ثروات أفريقيا والاستفادة منها، بحيث باتت دول مثل النيجر وتشاد ومالي وحدها وهي من أفقر دول العالم، تغطي أكثر من 25 % من إحتياجات المفاعلات النووية الفرنسية، التي تُعتمد للتزود بالكهرباء، كما تشرف فرنسا على حوالي 80 % من صادرات أفريقيا من الموارد والثروات المعدنية إلى العالم.
هكذا تحكمت فرنسا بشكل شبه كلي بالقارة الأفريقية، عن طريق شبكة فرنسا – أفريقيا، التي كانت من بنات أفكار شارل ديغول، وتصميم وإدارة جاك فوكار، واللذين يعتبران الأبوين المؤسسين لهذه العلاقة “الإستعمارية” الجديدة والناعمة، والتي دامت بصيغتها الأولى طيلة 30 سنة، من العام 1960، الذي شهد إستقلال غالبية دول غرب ووسط أفريقيا، وحتى بداية التسعينات، بالرغم من غياب ديغول عن الساحة السياسية وبعدها عن الحياة، وبالرغم من ترك فوكار موقعه في العام 1974، مع تسلم جيسكار ديستان زمام الرئاسة الفرنسية، ليتسلم منصب مستشار الرئيس الغابوني عمر بونغو للشؤون الأفريقية لعدة سنوات، قبل أن يعيد جاك شيراك تأهيله كمستشاره للشؤون الأفريقية عام 1986، عندما تسلم رئاسة الوزراء في عهد فرانسوا ميتران لمدة عامين، كما أعاد تعيينه في الإليزيه، عندما أصبح رئيساً في العام 1995 حيث توفي بعدها بعامين.
مع بداية التسعينات، كانت قد بدأت تظهر إرهاصات النظام العالمي الجديد، بعد سقوط الإتحاد السوفياتي ودول الكتلة الشرقية، وبروز موجة التعددية الحزبية والديمقراطية، فكان أن تأثرت العلاقات الفرنسية – الأفريقية بهذه الأجواء، لتدخل في طور جديد، بوجوه قديمة وجديدة، مع بداية ظهور ودخول أطراف دولية أخرى على الخط.

