نظرة على العلاقات الفرنسية-الأفريقية (1/3): الطريق إلى الجمهورية الخامسة..والإستقلال!

ياسين شبلي

بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية، دخلت أميركا إلى الساحة الدولية كقوة عظمى من بوابة هذه الحرب وما تلاها من مشروع مارشال لإعادة إعمار أوروبا المدمَّرَة والمنهكة، وكان من الطبيعي أن تسعى الولايات المتحدة للتمدد في مناطق العالم المختلفة، خاصة مع بروز قطب عالمي آخر هو الإتحاد السوفياتي وبداية الحرب الباردة بين الجانبين، فكان من المنطقي أن يكون هذا التمدد، بدايةً على حساب حلفائها الأوروبيين المستعمِرين، للكثير من دول العالم في كل من آسيا وأفريقيا بدءاً بالشرق الأوسط، وصولاً إلى منطقة الهند الصينية، مروراً بوسط وغرب وشمال أفريقيا، وذلك بعد الضعف الذي أصابهم جراء الحروب العالمية، التي أفرزت وقائع جديدة على الأرض، منها توق الشعوب للتحرر من الإستعمار، فكانت مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، خاصة مع بداية خمسينيات القرن الماضي، فترة عصيبة على الإستعمارين البريطاني والفرنسي، حيث إندلعت ثورات التحرر الوطني في المستعمرات، التي غالباً ما وجدت في الإتحاد السوفياتي سنداً وداعماً أساسياً، وبغض نظر أميركي في بعض الأحيان، وذلك طبعاً من ضمن الصراع بينهما، على وراثة الإستعمار القديم في ما أصطلح على تسميته بالحرب الباردة.

كان لفشل العدوان الثلاثي على مصر أصداءه في الداخل الفرنسي، حيث كانت الجمهورية الرابعة تتداعى جراء تصاعد الحرب الباردة

كانت البداية من مصر مع إنقلاب الضباط الأحرار، الذي نجح بغض نظر أميركي، كما شرح ذلك بالتفصيل مايلز كوبلاند في كتابه ” لعبة الأمم “، هذا الإنقلاب الذي أطاح النظام الملكي، وتحولت بعده مصر إلى النظام الجمهوري، تحت قيادة الضباط الأحرار برئاسة محمد نجيب، والذي ما لبث أن تحول إلى ثورة، بعد الخلاف الذي دب بين الضباط الأحرار، حول سياسات الحكم الجديد ومنها الديمقراطية، فأطيح بمحمد نجيب لصالح جمال عبد الناصر ، ليبدأ التحول مع صفقة الأسلحة التشيكية التي تمت بين عبد الناصر والاتحاد السوفياتي، بعد رفض الأميركيين تزويده بالسلاح بحجة عدم إطلاق سباق تسلح في المنطقة، بينما السبب الحقيقي كان تصريحاته المعادية لإسرائيل، ودعمه الفدائيين ضدها، وسياسته ضد الأحلاف بالمنطقة ودعمه ثورة الجزائر، ما أثار الغضب والنقمة عليه في الغرب عموماً، وفرنسا وبريطانيا خصوصاً، وإسرائيل بطبيعة الحال، ما ترك أثره بعدها على أزمة تمويل السد العالي، بعد سحب أميركا فجأة عرضها بتمويله، بعد أن قبلت مصر شروط البنك الدولي، ما أثار غضب عبد الناصر فأتخذ قرار تأميم قناة السويس في 26 تموز 1956، لينتج عن هذا القرار ما سمي مصرياً وعربياً بالعدوان الثلاثي على مصر، أو حرب السويس كما يسميها الغربيون، والذي قامت به كل من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل.

إقرأ ايضاً: توقيع كتاب «رحلة البنفسج» لعبد الحسين شعبان في عمان

وانتهى بنصر سياسي لعبد الناصر، طوبه قائداً وزعيماً قومياً عربياً وأفريقياً، وهزيمة إستراتيجية لدولتي الإستعمار البريطاني والفرنسي بخروجهما من مصر، بعد إنذار سوفياتي بالتدخل، تبعه آخر أميركي كان كافياً لفرض الإنسحاب على الدولتين، وإنهاء دورهما في مصر، وتالياً في الشرق الأوسط، مع خسارتهما قناة السويس، قبل الموعد المحدد لذلك ب 12 عام والذي كان مقرراً العام 1968.

كانت البداية من مصر مع إنقلاب الضباط الأحرار الذي نجح بغض نظر أميركي والذي أطاح النظام الملكي وتحولت بعده مصر إلى النظام الجمهوري

كان لفشل العدوان الثلاثي على مصر أصداءه، سواء في الداخل الفرنسي، حيث كانت الجمهورية الرابعة تتداعى، جراء تصاعد الحرب الباردة، وكذلك فشلها في إتخاذ قرارات فعالة، بشأن مصير المستعمرات الفرنسية المتبقية خاصة في أفريقيا، أو في هذه المستعمرات التي صعدَّت نضالها ضدها متأثرة بالتجربة الناصرية، خاصة في الجزائر التي حاولت الجمهورية الرابعة سحق ثورتها، من خلال وزيرها المقيم روبير لاكوست، فكان أن إنهارت بسبب الاضطرابات التي صاحبت هذه الثورة وحرب الإستقلال الجزائرية، وأدت إلى ما سمي بأزمة مايو 1958، عندما قاد بعض الضباط الفرنسيين محاولة إنقلاب ضد السلطة القائمة، أدت في النهاية لعودة شارل ديغول بعد 12 عاماً من تقاعده لتحمل المسؤولية، لتنتهي بذلك الجمهورية الرابعة من خلال إستفتاء عام أجري في 5 أكتوبر 1958، بعد 12 عاماً على قيامها عام 1946، غداة إنتهاء الحرب العالمية الثانية، لتبدأ الجمهورية الفرنسية الخامسة التي نعرفها والقائمة حتى اليوم.

يومنا هذا يشهد إرهاصات عن إحتمال أفول الدور الفرنسي في القارة السمراء التي تشهد تطورات دراماتيكية منذ حوالي عقد من الزمان سيكون لها ما بعدها

يبدأ معها فصول من العلاقات الفرنسية الأفريقية على مدى 60 عاماً، بدأت في العام 1960 ولما تنتهِ بعد، وتنقسم إلى فترتين تغطي الأولى 30 عاماً من زمن الحرب الباردة، وتنتهي بداية تسعينات القرن الماضي، تاريخ إنهيار الإتحاد السوفياتي، وإنتهاء الحرب الباردة وبدء ظهور نظام عالمي جديد، والثانية فترة ما بعد الحرب الباردة، مع المتغيرات التي طرأت على المشهد الدولي، وكان لها تأثيرها على تلك العلاقات التاريخية، وصولاً إلى يومنا هذا الذي يشهد إرهاصات، عن إحتمال أفول الدور الفرنسي في القارة السمراء، التي تشهد تطورات دراماتيكية منذ حوالي عقد من الزمان سيكون لها ما بعدها.

السابق
حريق كبير في منطقة بسري ومخاوف من تمدده الى المنازل!
التالي
«مَرَّ بسلام»: تدوير القوات الأمريكية في العراق ودلالات مواقف الفصائل المسلحة منه