سِجال الدين والسياسة في إسرائيل: قانون تجنيد المتدينين الحريديم في الجيش وتداعياته الداخلية

استنفار اسرائيلي حدودي

تُشكِّل مسألة تجنيد المتدينين الحريديم في الجيش الإسرائيلي واحدة من المسائل المهمة التي رافقت المجتمع والدولة في إسرائيل منذ تأسيسها عام 1948. وحول هذه المسألة يتعمق الانقسام بين المتدينين والعلمانيين من جهة، واليمين واليسار-المركز من جهة ثانية. وقد عادت هذه المسألة مجدداً في ظل حكومة بنيامين نتنياهو الحالية التي تعتمد على الأحزاب الدينية عموماً، والأحزاب الدينية الحريدية بشكل خاص، لاسيّما قائمة “يهدوت هتوراة” الاشكنازية، وحركة “شاس” الشرقية. 

واشترطت الأحزاب الدينية دخولها الائتلاف الحكومي ودعمها للتغييرات الدستورية بتشريع قانون التجنيد للشباب المتدينين الحريديم، يرافقه تشريع خاص لفقرة “التغلب” المتعلقة فقط بهذا القانون، لمنع المحكمة العليا من إلغائه أو المطالبة بتعديله كما فعلت في المرات السابقة. وترى الأحزاب الدينية أن تشريع القانون في ظل الحكومة الحالية فرصة تاريخية أمامها لإغلاق هذا الملف المفتوح منذ تأسيس الدولة من خلال تشريع القانون مع فقرة التغلب الخاصة فيه. 

في المقابل، يدرك نتنياهو أن تشريع القانون يحمل في طياته تحديّات كبيرة؛ فهو سيزيد الاحتجاج ضده، ويُعمق الانقسام الاجتماعي في المجتمع الإسرائيلي، وقد ينعكس أيضاً على الجيش الإسرائيلي، ليس لحاجة الجيش لمجندين، بل بسبب الشعور بعدم المساواة الذي سوف يصيب شرائح اجتماعية تخدم في الجيش، التي ستشعر بالظلم جراء هذا القانون ويزيد من رفضها التجنُّد للجيش. أما في حال عدم تشريع القانون فإن ذلك قد يُهدد بقاء الحكومة، إذ إن الأحزاب الدينية ترى في تشريع القانون السبب الأساسي لدخولها الحكومة، وكانت قد هددت بإسقاط الحكومة إذا لم يُشرَّع القانون[1].

تُسلِّط هذه الورقة الضوء على مسألة تجنيد المتدينين الحريديم في الجيش، والمحاولات السابقة لحل هذه المسألة، ومستقبل المساعي الحالية لتشريع قانون الخدمة، وتداعيات ذلك على المجتمع الإسرائيلي والمؤسسة العسكرية.

المعضلة الحالية

تصل نسبة الحريديم من مجموع السكان في إسرائيل إلى 13.5%، في حين تصل نسبة الشباب منهم في سن التجنيد إلى 18% من مجمل الملزمين بالخدمة العسكرية[2].

وتضغط الأحزاب الدينية على الحكومة الإسرائيلية من أجل تشريع قانونٍ جديدٍ يُعدِّل قانون الخدمة العسكرية للشباب المتدينين من التيار الديني الأرثوذكسي (الحريديم)، بحيث يُعفى الشباب المتدينين الذين يدرسون في المدارس الدينية من الخدمة. هذا القانون حيوي للأحزاب الدينية بعد انتهاء مدة القانون السابق في شهر يونيو 2023، وبموجبه فإن هنالك حاجة لقانون جديد يُنظم هذه المسألة التي تخلق انقسامين في إسرائيل. الأول داخل الحكومة، والثاني خارج الحكومة. بالنسبة للانقسام الأول، فالأحزاب الدينية تطالب بإعفاء كامل وشامل لكل الطلبة المتدينين مع وجود بند يمنع المحكمة العليا من إلغائه أو المطالبة بتعديله، في حين يريد نتنياهو تشريع قانون يتضمن إعفاء جزئي ومشروط للطلبة المتدينين. 

أما بالنسبة للانقسام خارج الحكومة، فإن تشريع القانون سوف يزيد من الاحتجاج ضد الحكومة حتى في أوساط يمينية علمانية، لأن معناه سيكون أن على الدولة تمويل المدارس الدينية بدون مقابل، فهؤلاء الطلبة يقضون حياتهم كلها بالمدارس الدينية ويحصلون على مخصصات مالية من الدولة جراء ذلك.

في العام 2014 شُرِّع قانون الخدمة العسكرية للمتدينين (الذي سُمِّي قانون “طال”)، وبعد التماسات للمحكمة العليا، أصدرت الأخيرة في العام 2017 قراراً بإلغاء القانون لمسِّه مبدأ المساواة، غير أن المحكمة العليا لم تطالب بتنفيذ قرارها فوراً، وأعطت الدولة عاماً واحداً من أجل إيجاد حل آخر. وبعد مرور العام طلبت الدولة تأجيلاً آخر من المحكمة، واستمر الوضع على هذا الحال حتى يونيو الماضي، حيث أصدرت المحكمة العليا قراراً في يوليو الماضي بأنها لن تُمدِّد مرة أخرى العمل بالقانون السابق، وأوضح قرار المحكمة بأنه “لا يوجد أي مسوغ قانوني يسمح لوزير الدفاع بتأجيل الخدمة العسكرية لطلبة المدارس الدينية الملزمين بالخدمة الأمنية”[3].

وتتبدا المعضلة الأساسية لهذا القانون في تضييقه خيارات نتنياهو السياسية؛ فإما يقبل الخضوع للأحزاب الدينية ويدفع نحو تشريع قانون حسب مقاسهم، مُخاطراً بزيادة الاحتجاج والانقسام في إسرائيل؛ أو يرفض ذلك، ما يُهدِّد بقاء حكومته.

خلفية تاريخية عن تجنيد الحريديم

تأسست علاقة الدين والدولة في إسرائيل على اتفاق “الوضع القائم” الذي توصل له دافيد بن غوريون، أول رئيس حكومة إسرائيلية، مع التيار الديني الأرثوذكسي، ممثلاً بحزب “اغودات يسرائيل” عشية الإعلان عن قيام الدولة العبرية. وكان بن غوريون يهدف من هذا الاتفاق إلى ضمان تأييد المتدينين لقرار التقسيم، وعرض موقف مُوحد لليهود الساكنين في فلسطين الانتدابية من القرار[4]. تضمن اتفاق الوضع القائم تسويات تضمن الحفاظ على مكانة الدين اليهودي وتعاليمه في دولة إسرائيل، وذلك في أربع مجالات: الحفاظ على تعاليم يوم السبت بما في ذلك اعتباره الإجازة الرسمية؛ ومنع عمل المواصلات العامة، والتجارة وغيرها خلاله، والحفاظ على الطعام الحلال حسب الشريعة اليهودية (كوشير)؛ وبناء جهاز تعليمي خاص للمتدينين؛ وتبنّي المنظومة الدينية في شؤون الأحوال الشخصية[5].

لم يتطرق اتفاق الوضع القائم لموضوع الخدمة العسكرية للمتدينين، ويمكن إرجاع ذلك إلى أن الخدمة العسكرية لم تكن مطروحة أصلاً على المتدينين في ذلك الوقت، فضلاً عن أن الموضوع لم يكن محل نقاش أصلاً، فالطرفان لم يفكرا في أن هذا الموضوع سيكون مطروحاً بعد عقود، فالدولة العبرية الجديدة كانت علمانية بامتياز، تهيمن عليها الشرائح الاشكنازية الأوروبية العلمانية، وكانت أيضاً تشكل أغلبية اليهود في إسرائيل. علاوة على ذلك، كان جلّ اهتمام بن غوريون ضمان سكوت التيار الديني الأرثوذكسي وعدم معارضته لقيام دولة إسرائيل، وهو تيار كان أصلاً ضد الحركة الصهيونية ومشروعها في ذلك الوقت.

بناءً على ذلك، أعفت القيادة الصهيونية الشباب الحريدي من الخدمة العسكرية بصورة غير رسمية خلال حرب 1948. وفي يناير 1951، بعث دافيد بن غوريون رسالة لوزارة الدفاع وقائد هيئة الأركان، أوضح فيها أنَّه قرر إعفاء طلاب المدارس الدينية من الخدمة العسكرية، لأنهم “يخدمون” بدراسة التوراة، وما داموا كذلك فإنّه سيتم إعفاءهم[6]. وجاء قرار بن غوريون بإعفاء المتدينين من الخدمة العسكرية للأسباب الآتية:

أولاً، احتواء التوتر الذي كان يمكن أن يتصاعد في الدولة الجديدة وهي في أمس الحاجة للحفاظ على الوحدة الداخلية في بداية طريقها.

ثانياً، لم يكن عدد طلاب المدارس الدينية كبيراً، وهو ثمن يمكن دفعه بالنسبة له من أجل الحفاظ على حالة الهدوء المجتمعي القائم.

ثالثاً، كان بن غوريون يعتقد أن إسرائيل والمجتمع اليهودي سيتطوران في اتجاه تحييد الدين عن المجال العمومي واختفائه، حيث اعتقد أن أعداد الحريديم سيضل قليلاً ويتضاءل من الوقت.

رابعاً، كسب شرعية إسرائيل باعتبارها مركزاً لليهودية الأرثوذكسية.

خامساً، الحفاظ على علمانية الجيش الإسرائيلي، بحيث تسوده التربية العسكرية العلمانية، والحفاظ على تراتبية القيادة وحصر شرعيتها وسلطتها بضباط الجيش فقط.

لم تُطرَح مسألة التجنيد مرة أخرى إلا في سنوات السبعينيات، إذ أصبح وجود دولة إسرائيل أكثر استقراراً ورسوخاً، وزال الخطر الوجودي عليها، ونما المجتمع المدني، ودخلت إسرائيل مرحلة جديدة في تاريخها، يمكن تسميتها مرحلة “التأقلم”. وظهرت المسائل الداخلية التي أُجِّلَت بسبب قضايا الأمن القومي على السطح، ومن بينها قضية الدين والدولة وما يترتب عليها من علاقة المتدينين بالجيش الإسرائيلي وواجبهم في الخدمة العسكرية. ومع ذلك ظلت هذه المسألة دون حل، ومع صعود الليكود للحكم لأول مرة عام 1977، تكرَّس الوضع القائم، ورفض المتدينون الخدمة في الجيش بسبب تعليمهم للتوراة في المدارس الدينية. 

محاولة قوننة تجنيد المتدينين في الجيش

ازداد الضغط الشعبي على تجنيد المتدينين في سنوات التسعينيات، ففي العام 1998 وصل عدد الطلبة المتدينين ثلاثين ألفاً، وكانوا يُعفَون من الخدمة العسكرية بحجة التعليم الديني[7].

وتجددت المحاولات لترتيب مسألة تجنيد المتدينين مع تشكيل لجنة “طال”، على اسم القاضي تسيفي طال، والتي أنشئت عام 1999، في عهد حكومة إيهود براك. أسست اللجنة في أعقاب التماس للمحكمة العليا في ديسمبر 1998، في هذا الشأن، إذ أصدرت المحكمة قراراً أكثر وضوحاً بعدم صلاحية وزير الدفاع منح إعفاء شامل لطلاب المدارس الدينية من الخدمة العسكرية دون مسوغ قانوني ينظم هذه المسألة. وفي العام 2002 شُرِّع ما عُرف بقانون “طال”[8]، وهو تعديل قانون الخدمة الإلزامية، بأغلبية 51 عضو كنيست ومعارضة 41 عضواً. وحُددت مدته بحيث تكون خمس سنوات، مع إمكانية تمديد العمل به خمس سنوات أخرى (حتى العام 2012).

قدَّم القانون مسوغاً قانونياً لإعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية حسب الشروط الواردة فيه. بموجب القانون، فإن المتدين اليهودي البالغ من العمر 22 عاماً، يختار بين أمرين: الاستمرار في التعليم أو العمل. ومن يختار العمل يمكنه الاختيار بين خدمة عسكرية قصيرة من سنة وأربعة شهور وبين الخدمة المدنية لمدة عام دون أجر، مع وجود إمكانية أن يعمل بمهنة أخرى[9]. 

وفي سبتمبر 2005، أعلنت الدولة للمحكمة العليا أن قانون “طال” فشل، فلم تستطع الحكومة توسيع عدد المتجندين الحريديم للجيش. فمنذ تشريعه عام 2002، نجحت الحكومة في تجنيد أعداد قليلة جداً من أبناء المدارس الدينية[10]. وفي ضوء فشل قانون طال، أصدرت المحكمة العليا في فبراير 2012 قراراً بأن قانون طال غير دستوري، وبما أن القانون مُدِّدَ مرتين لمدة خمس سنوات (2002-2012) فإن الكنيست لا تستطيع تمديده مرة أخرى[11]. 

وفي تقرير لمركز البحث والمعلومات التابع للكنيست، تبيّن وجود تراجع في عدد الحريديم الذين يتجندون للجيش كل عام (انظر شكل 1). فبعد ارتفاع استمر من عام 2010 حتى عام 2017، حصل تراجع في عدد المتجندين للجيش إلى النصف تقريباً كل عام[12]. ويعود ارتفاع عدد الحريديم في بداية العقد الثاني، وتحديداً منذ عام 2014، إلى الحكومة الإسرائيلية التي تشكلت في أعقاب انتخابات 2013، والتي استثنى فيها نتنياهو الأحزاب الدينية وأدخل مكانها حزب “يوجد مستقبل” برئاسة يائير لبيد، والذي كانت انتخابات 2013 أول منافسة انتخابية له محققاً نجاحاً كبيراً، وكان البرنامج الانتخابي للبيد في ذلك الوقت قائماً على تجنيد الحريديم تحت شعار “المساواة في العبء”، وهو ما جعله يحقق إنجازاً انتخابياً كبيراً. 

وتبنَّى لبيد، الذي شغل منصب وزير المالية في ذلك الوقت، سياسة تقليص الميزانيات للمجتمع الحريدي في حال تخلفهم عن الخدمة العسكرية، كما اتخذ إجراءات مالية في عام 2014 تتضمن عقوبات اقتصادية لمن لا يخدم في الجيش[13]. وهذا ما يُفسِّر أيضاً تراجع معدلات التجند للجيش بعد حلّ الحكومة التي كان لبيد عضواً فيها، وتشكيل حكومة جديدة في أعقاب انتخابات 2015 أسفرت عن عودة الأحزاب الدينية لحكومات نتنياهو المتعاقبة، مما أدى إلى تراجع عدد المتجندين الحريديم للجيش. فقد احتفل الحريديم بسقوط الحكومة في ديسمبر 2014، واعتبروا سقوطها وإقالة لبيد “بركة” للشعب اليهودي، واستجابة لصلواتهم للتخلص من لبيد و”كراهيته” للحريديم[14].

وتشير معطيات مركز المعلومات والبحث التابع للكنيست إلى أن عدد الحريديم الذين تجندوا للجيش في الفترة 2013-2016 ارتفعت بنسبة 45%، أي من 1972 مجنداً عام 2013 إلى 2850 مجنداً عام 2016. غير أن المعطيات تشير إلى أن عدد المجندين الحريديم من مجموعة الهدف (أي المجموعة المستهدفة للتجنيد حسب قانون “طال”، وهي مجموعة قليلة) تراجع خلال هذه الفترة؛ ففي عام 2013، وصلت نسبة المجندين الحريديم من مجموعة الهدف التي حُدِّدَت إلى 99%، وتراجعت إلى 89% عام 2016. وفي العام 2017 تجنَّد للجيش ما يقارب 3070 مجنداً حريدياً (شكل 1)[15].

وحسب المعطيات التي عرضها الجيش في شهر مايو 2023 في لجنة الخارجية والأمن، فإنه خلال السنوات 2019-2021 تجنَّد للجيش 1200 حريدياً كل عام من بين 12 ألفاً كان يُفتَرض التحاقهم بالجيش، ومعنى ذلك أن 10% فقط من المتدينين يتجندون للجيش كل عام من بين الشريحة التي عليها ذلك. ويخدم اليوم في الجيش الإسرائيلي ما يقارب 3000 جندي حريدي في وحدات خاصة بهم[16]. تتعلق هذه المعطيات بمنظومة التجنيد القديمة التي تحدد سن التجنيد للمتدينين لمن وصل الـ 26 من عمره (حسب قانون طال).

جهاز التعليم الديني والجيش

 في مقابل تراجُع عدد المتجندين الحريديم للجيش، سجَّلت الأعوام الأخيرة تزايداً في عدد الطلبة الحريديم الذين يدرسون في المدارس الدينية (فوق الثانوية) ويحصلون على مخصصات الدولة. ففي الأعوام 2014-2021 ارتفع عدد الطلاب في المدارس الدينية الحريدية بنسبة 46%، وفي عام 2021 وصل عددهم إلى حوالي 138 ألفاً، بفعل دعم الدولة لهؤلاء الطلاب نظراً لوجود الأحزاب الدينية في الحكومات السابقة برئاسة نتنياهو[17]. وأعادت حكومة نتنياهو الحالية كامل التمويل للتعليم الديني الذي قُلِّصَ في فترة الحكومة السابقة، ولم تشترط التمويل بتدريس المواضيع الأساسية في جهاز التعليم (اللغة الإنجليزية، الرياضيات والمواطنة) كما فعلت حكومة بينيت-لبيد.

في هذا الصدد، لا بد من توضيح مسألة التعليم في المجتمع الحريدي وعلاقته مع التجنيد للجيش. فالتعليم في المجتمع الحريدي، على غرار كل المجتمع الإسرائيلي، ينقسم إلى مرحلتين: المرحلة التعليمية الأساسية (الابتدائي حتى الثانوي)، ومرحلة ما بعد الثانوية. في المرحلة الأولى (التعليم الابتدائي وفوق الابتدائي)، وصل عدد الطلاب الحريديم في العام 2022 إلى 373 ألف طالب، ويشكلون 25% من التعليم العبري، و19.5% من مجمل الطلاب في جهاز التعليم الإسرائيلي (عرباً ويهود)[18].

بالإضافة إلى ذلك، وهذه هي النقطة المهمة، فإن 75% من هؤلاء الطلاب يدرسون في مدارس دينية غير تابعة لوزارة التعليم الإسرائيلية، ولكن تُموَّل من الوزارة، وهي مؤسسات تعليمية يتبع أغلبها الأحزاب الدينية الحريدية المشاركة في الحكومة، ويدرس 3.5% فقط من الطلاب في مدارس تتبع وزارة المعارف الإسرائيلية، والباقي في مؤسسات تعليمية خاصة مختلفة. 

أما في التعليم فوق الثانوي، فإن الحريديم يدرسون في أربعة مسارات: 1) التعليم في مدارس دينية بعد المرحلة الثانوية؛ و2) التعليم في الإطار الذي يسمى “كوليل” (معناه: شامل) وهو مسار لتعليم الطلبة المتدينين بعد زواجهم ويطلق عليهم لقب “ابرخيم”، وهم من يعكفون كل حياتهم على التعليم دون عمل؛ و3) المسار الأكاديمي؛ و4) ومسار التأهيل المهني. 

في العام 2021 وصل عدد الطلبة في المسارين الأوليين حوالي 140 ألفاً[19]. في حين تصل نسبة الطلبة الحريديم في المؤسسات الأكاديمية إلى 4.5% (حوالي 16 ألف طالب فقط). تُبين هذه المعطيات أن أغلب الطلاب والطلبة الحريديم يدرسون في مؤسسات دينية تابعة للأحزاب الدينية المشاركة في الحكومة، بمعنى أن هذه المدارس تشكل المخزون الاجتماعي، وطبعاً السياسي لقوة الأحزاب الدينية، حيث يدرس فيها الطلبة، حتى بعد زواجهم (ابرخيم) تعاليم الدين اليهودي الأرثوذكسي، حسب تأويلات الأحزاب الدينية الأرثوذكسية المتشددة. ومن هنا يمكن فهم معارضة الأحزاب الدينية لتجنيد الطلبة المتدينين، والتي يمكن حصر أسبابها في الآتي:

أولاً، أسباب أيديولوجية، تنطلق من اعتبار التيار الحريدي دولة إسرائيل حالة منفى، ومعارضته للحركة الصهيونية، وتأكيده أن الهدف الأساسي لليهود في دولة إسرائيل، مثلما كانوا في المنفى، هو الحفاظ على الهوية الدينية اليهودية. بمعنى أن التيارات الحريدية تعتقد أن دولة إسرائيل حالة “كفر”؛ لأنها تدخلت في العملية الخلاصية بالمفهوم الديني. ولا تتبنى الأحزاب الدينية هذه الرؤية بشكل متطرف، فمنذ العام 1948 تأقلمت هذه الأحزاب مع الواقع الإسرائيلي، وأخذت تتعامل ببرغماتية مع دولة إسرائيل من أجل تحقيق مصالحها، ولكن لا يزال جوهر هذه الرؤية قائماً في صفوف الكثير من مؤيديها، وهناك تيارات حريدية لا تزال تؤمن بهذا الأمر.

ثانياً، أسباب دينية، نابعة من أن الهدف الأساسي لليهود ترميم عالم المدارس الدينية (ييشيفوت)، الذي تدمر في أعقاب الكارثة اليهودية في أوروبا، لذلك فإن تعليم التوراة هو الهدف الأسمى لليهود وليس الخدمة العسكرية. والتخوف لديها أن تسهم الخدمة العسكرية لطلاب المدارس الدينية في إبعاد الشباب اليهودي عن تعليم التوراة والدين اليهودي. وينطلق هذا الموقف من أن التعليم الديني هو الذي يحمي شعب إسرائيل، لذلك فإن إيمان اليهودي وتعليمه للدين نوع من الخدمة، وعليه تمضية حياته فيها، وعدم إلهائه بأمور أخرى، ليس فقط بالخدمة العسكرية، بل بأي عمل آخر، وهو ما اصطلح عليه إسرائيلياً “إيمانهم هو خدمتهم”[20].

ثالثاً، أسباب اجتماعية، تنطلق من خوف الأحزاب الدينية من أن يتسبب التجنيد للجيش في إنتاج تصدعات في نمط الحياة الخاص بالمجتمع الحريدي، إذ إن انكشافهم على العالم الخارجي، وعلى ثقافات أخرى في الجيش وفي المجتمع الإسرائيلي، من شأنها أن تهدد الخصوصية الثقافية التي تحافظ عليها المؤسسات الحريدية الدينية والسياسية عبر عزل الحريديم عن المجتمع الواسع. إذ يعيش الحريديم في “جيوب” جغرافية وثقافية منعزلة عن المجتمع الواسع، سواء في بلدات خاصة بهم (مثل مدينة بني براك)، أو أحياء منعزلة في المدن الكبرى (مثل حي “مائة شعاريم” في القدس). وتخشى الأحزاب الدينية من أن تجنيد الحريديم سيؤدي إلى هدم الأسوار الثقافية التي حافظت من خلالها على هوية المتدينين ونمط حياتهم في جيوبهم المعزولة عن العالم الخارجي[21].

رابعاً، أسباب سياسية تنطلق من مجمل الدوافع السابقة، فالأحزاب الدينية الحريدية تحاول أن تحافظ على تماسك قواعدها الانتخابية التي تعطيها القوة السياسية والتأثير في النظام السياسي الإسرائيلي. ولذا تثير الخدمة العسكرية قلق الأحزاب الدينية سياسياً، إذ تسهم في صهينة المتدينين من جهة، وتدفعهم إلى البحث عن بدائل سياسية دينية وصهيونية من جهة ثانية. وقد ظهر ذلك في تصويت أعداد كبيرة من الحريديم لقوائم الصهيونية الدينية، وظهور ما يطلق عليهم “الحردليم”، أي الحريدي القومي، كما أن صهينة القواعد الانتخابية للأحزاب الدينية النابعة من الجيش تزيد الضغط عليها أن تتحول هي بذاتها إلى صهيونية، وأن تتبنى مواقف سياسية يمينية لم تكن بالنسبة لها ذات شأن في السابق. ويمكن إرجاع أحد تفسيرات نزوح الأحزاب الدينية الحريدية، لاسيّما الاشكنازية نحو اليمين، إلى النزعة الصهيونية التي تغلغلت في صفوف المجتمع الحريدي بسبب الخدمة العسكرية من جهة، وسكنهم في المستوطنات من جهة ثانية.

من وجهة نظر الأحزاب الدينية، تُسهم الخدمة العسكرية في تغيير نمط المجتمع الحريدي، فالجيش لا يقترح مسارات عسكرية فقط للجنود الحريديم، بل مسارات عسكرية مُدمَجَة بمسارات أكاديمية (جدول 1)، فهناك مسار تجنيد يسمى “مسار الأكْدمَة الحريدية”، يتضمن تدريباً عسكرياً بمستوىً عالٍ، بالإضافة إلى إنهاء درجة البكالوريوس في إحدى الجامعات الإسرائيلية، ويضمن خدمة عسكرية في الموضوع التعليمي للجندي المتدين[22]. لذلك فإن الحفاظ على المدارس الدينية، وانغماس الشباب المتدين فيها كل حياتهم هو ما يضمن قوة الأحزاب الدينية سياسياً. وقد كيّف الجيش نفسه لتجنيد الحريديم، فالجيش يقترح على الحريديم خدمة عسكرية في مسارات خاصة تحافظ على الخصوصيّة الثقافية والدينية للجنود المتدينين، فعلى سبيل المثال هنالك مسار يسمى “حيرب” (أي: سيف)، خُصِّص لانضمام الحريديم للوحدات القتالية، بطريقة تضمن لهم الحفاظ على خصوصيتهم الدينية[23].

تجنيد الحريديم والمواقف المختلفة حوله

أثارت مسألة تجنيد الحريديم للجيش سجالات مختلفة في إسرائيل، ولا تتقاطع المواقف من هذه المسألة حسب الصراع الديني العلماني فقط، بل تعكس صراعات أخرى تتعلق أيضاً بمكانة الجيش الإسرائيلي وصراعات داخل الحريديم أنفسهم. ظهر السجال حول تجنيد المتدينين بشكل مكثف في الفترة التي يعيد فيها الجيش بناء نفسه من أجل التحوَّل إلى جيش مهني، صغير وفتاك، وخاصة في ضوء تراجع معدلات التجنيد له في العقود الأخيرة. 

وعليه، يمكن إبراز ثلاثة محاور أساسية يدور حولها الصراع والانقسام بشأن تجنيد المتدينين في إسرائيل، حالياً:

أولاً، الصراع الديني العلماني، والذي يدور حول مسألة المساواة في العبء، أو المساواة في الواجبات إلى جانب الحقوق. فتوجه العلمانيين ينطلق من أن هناك ظلماً واقعاً عليهم، لأنهم من جهة يخدمون في الجيش، وهناك قانون يلزمهم بذلك، وفي نفس الوقت يحملون الاقتصاد الإسرائيلي على كاهلهم. في حين أن المتدينين الحريديم لا يخدمون في الجيش، ويعيشون على حساب دافع الضرائب دون أن يمارسوا عملاً، ولا حتى يتعلمون من أجل الانخراط في السوق، أو يخدمون في المؤسسة العسكرية. لذلك فالمطالبة بخدمة المتدينين تأتي في سياق الصراع الديني العلماني، وتشريع قانون يُلزم المتدينين بالانخراط في الجيش والمساهمة في العبء العام. وينطلق التوجه العلماني في هذا الموضوع أيضاً من أن الانخراط في الجيش سوف يسهم في كسر البُنية الاجتماعية المنغلقة للمجتمع المتدين، إذ سيُمهِّد الجيش الطريق لهم للاندماج في سوق العمل وتأهيلهم لحياة مختلفة وأكثر إنتاجية.

ويَظهر الاستقطاب الديني العلماني في مواقف الجمهور اليهودي من مسألة تجنيد الحريديم والبدائل والخطط المقترحة بهذا الشأن. فقد أوضح 87% من الحريديم أنهم يُعارضون تجنيد الشباب المتدين في الجيش، وفي المقابل أبدى 71% من اليهود غير المتدينين رفضهم إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية[24].

ثانياً، الصراع حول هُوية المؤسسة العسكرية، ويدور هذا الصراع حول تداعيات تجنيد المتدينين على الجيش نفسه. وهو صراع بين من يريد تجنيد شامل لهم في الجيش، وبين من يتحفظ على ذلك دون علاقة لخلفيته الدينية. فقد حذَّرت قيادات عسكرية من بروز التطرف الديني في الجيش الإسرائيلي، وظهر في تقارير أخرى أن المؤسسة الدينية العسكرية بدأت تهيمن على شعبة التربية المعنوية في الجيش، وهو ما أكَّده تقرير مراقب الدولة، إذ أشار إلى تغلغل الخطاب الديني في شعبة التربية، حيث يجري تعليم المفاهيم الدينية للجنود، واعتبار أن خدمتهم تُمثِّل خدمة من أجل الرب[25].

بناءً على ذلك، هناك تخوّف من أن زيادة تجنيد المتدينين للجيش، وبالذات من الحريديم، سوف يُعمِّق تديّن المؤسسة العسكرية، التي تقوم بإجراءات كثيرة لملائمة الخدمة للمتدينين، والقائمة بسبب وجود الجنود المتدينين من تيار الصهيونية الدينية، والذي سيزداد مع وجود الحريديم الذين يُعتبرون أكثر تزمتاً من أبناء الصهيونية الدينية.

ثالثاً، الصراع داخل المجتمع الحريدي نفسه؛ فمع الوقت تكيّف المجتمع الحريدي لواقع دولة إسرائيل، وبسبب الزيادة السكانية الكبيرة لهم، ظهرت تحولات في المجتمع الحريدي نفسه، فلم يعد رفض الخدمة العسكرية محل إجماع كامل في المجتمع الحريدي، مع هيمنة صوت الأحزاب الدينية الرافض للخدمة العسكرية. ولكن داخل المجتمع الحريدي نفسه هناك توجهان من مسألة التجند للجيش: التوجه الأول الذي بدأ يصل لقناعة أنه لا يمكن الاستمرار بوضع أن كل الشباب الحريدي يدرس في المدارس الدينية مع زيادة عدد السكان وتكلفة المعيشة، وأن هناك حاجة لخلق توازن داخلي بين دراسة الدين والعمل والاندماج في المجتمع الإسرائيلي والخدمة العسكرية التي تفتح مسارات وآفاق للتطور الفردي. في حين ينطلق التوجه الثاني من أن تجنيد الحريديم يمثِّل “مؤامرة” علمانية لتغيير نمط الحياة الديني، من أجل تحويل الشباب المتدين إلى “إسرائيليين أكثر، وحريديم أقل”[26]. وتشير الوقائع والمعطيات، إلى أنه على الرغم من هيمنة التوجه الأول، هناك صعود في قوة التوجه الثاني، الذي يرغب بالعمل والتقدم المهني، وفي نفس الوقت الحفاظ على الهُوية الدينية التي يرى أنها تتناقض مع اندماجه في المجتمع الإسرائيلي كما يفعل أبناء الصهيونية الدينية.

الحكومة الحالية وتجديد تشريع قانون التجنيد

تعرَّضت الاتفاقيات الائتلافية بين الليكود وحزب يهدوت هتوراة وحركة شاس الموقعة في ديسمبر 2022، إلى موضوع ترتيب مكانة طلاب المدارس الدينية الحريدية في إسرائيل. فقد أوضح البند 90 في الاتفاق مع يهدوت هتوراة، والبند 82 مع حركة شاس، أن على الحكومة تشريع قانون أساس تعليم التوراة حتى المصادقة على الموازنة العامة 2023. كما نص البند على تعديل قانون الخدمة العسكرية بعد المصادقة على الموازنة، بحيث يتم تسوية مكانة طلاب المدارس الدينية بموافقة جميع كتل الائتلاف الحكومي[27]. وجاء في نص الاتفاق أن تشريع قانون الخدمة “جوهري بالنسبة لها (أي بالنسبة لقائمة يهدون هتوراة) والذي يجب ترتيبه، ومن ناحيتها هو شرط لتشكيل الحكومة، ولأنها تعي أن الأمر يحتاج إلى إجراءات، فقد تم الاتفاق على أن تشريع قانون أساس تعليم التوراة، وتعديل قانون الخدمة العسكرية سينفذان حتى المصادقة على موازنة عام 2023″[28]. وهو نفس الإعلان الذي جاء في الاتفاق مع حركة شاس.

تشير بنود الاتفاقيات الائتلافية مع حركة شاس ويهدوت هتوراة، إلى أنه كان يُفترَض تشريع قانون الخدمة العسكرية قبل إقرار الموازنة عام 2023، ولكن نجح نتنياهو في إقناعها بتأجيل ذلك لدورة الكنيست الشتوية في شهر أكتوبر، بسبب انغماس الحكومة في مشروع التغييرات الدستورية. لذلك تضغط الأحزاب الدينية على الحكومة لجعل تشريع القانون أول عمل تقوم به الحكومة في الدورة المقبلة، وقد أعلن حزب يهدوت هتوراة أنه لن يصوت مع الحكومة على أي قانون لها قبل تشريع قانون الخدمة العسكرية للمتدينين.

ومع ذلك، من المهم التمييز بين توجهات قائمة يهدوت هتوراة وحركة شاس. فالأولى موقفها متشدد جداً من مسألة التجنيد، إذ إن قواعدها الشعبية إشكنازية دينية متزمتة، في حين أن قواعد حركة شاس شرقية، ولكنها موزعة بين متدينين شرقيين حريديم، وشرقيين محافظين يخدمون بكل الأحوال في الجيش. لهذا فإن احتمال التوصل لتسوية مع حركة شاس أكبر من إمكانية التسوية مع يهدوت هتوراه، ولكن المشكلة هنا أن انسحاب يهدوت هتوراة من الحكومة (8 مقاعد) يكفي لإسقاطها.

في الاجتماع الذي عقده نتنياهو مع ممثلي الأحزاب الدينية في 17 أغسطس، جدَّد الأخيرون رفضهم أي خدمة إلزامية للحريديم حتى في إطار الخدمة الوطنية-المدنية، وطالبوا بإعفاء كامل للطلبة المتدينين. وجاء هذا الموقف بعد أن صرَّح أعضاء في الليكود، بما في ذلك نتنياهو نفسه، أنه لن يكون هناك إعفاء كامل للحريديم من الخدمة العسكرية[29]. وفي جلسة للجنة الخارجية والأمن قبل يوم من الاجتماع المذكور، أوصى الجيش بتجنيد الجميع، مقابل حصوله على ميزانيات إضافية لذلك، وأوضح الجيش أن عدم تجنيد الحريديم سوف يمس بتماسكه الداخلي[30]. ويبدو أن موقف الجيش غير نابع من الحاجة العسكرية لتجنيد الحريديم، وإنما من إدراكه لتداعيات ذلك على المؤسسة العسكرية الإسرائيلية من الناحية الاجتماعية، وخوفه من أن إعفاء الحريديم من خلال تشريع قانون في الكنيست قد يؤثر على مستوى تجنيد شرائح أخرى في المجتمع الإسرائيلي، الذين ربما يمتنعون عن التجنيد، أو تنخفض لديهم الدافعية لذلك بسبب إعفاء الحريديم.

إن الخلاف الأساسي بين الليكود والأحزاب الدينية يدور حالياً حول العدد الذي يجب تجنيده كل عام من المدارس الدينية. فالأحزاب الدينية تطالب بمنح الحق بالإعفاء لكل طالب يُعلن أنه يريد التعليم، في حين أن الليكود يريد تحديد عدد من المتجندين لكل عام من المدارس الدينية. وكما سبقت الإشارة، فقد ينجح نتنياهو بالتوصل لتسوية حول ذلك مع حركة شاس، ولكن من الصعوبة التوصل لاتفاق مع يهدوت هتوراة.

ومن أجل تخفيف الغضب المحتمل على قانون تجنيد المتدينين، أنهت الحكومة الإسرائيلية إعداد مقترح قانون جديد حول الخدمة الإلزامية عموماً، يوازي قانون تجنيد المتدينين، وتضمن القانون الجديد، الذي سيُصوَّت عليه في الدورة المقبلة للكنيست، تحديد مدة الخدمة العسكرية بـ 32 شهراً، وإعطاء وزير الدفاع صلاحية تقليص هذه المدة في بعض الوظائف والوحدات، على ألا تكون أقل من 24 شهراً. علاوةً على ذلك، فإن المقترح الجديد يعطي زيادة مالية للجنود بعد الشهر الـ 25، إضافةً للمدخول المالي العادي للمتجندين. ويهدف هذا القانون إلى إرضاء المتجندين غير المتدينين، من خلال تقصير مدة خدمتهم (ثلاث سنوات سابقاً)، ومنحهم علاوات مالية.

خلاصة واستنتاجات

يحمل قانون تجنيد المتدينين للجيش الإسرائيلي تحدياً جديداً لحكومة بنيامين نتنياهو، يصل لمستوى التحدي الوجودي. فالأحزاب الدينية الحريدية لن تتنازل عن تشريع قانون جديد للمتدينين ينسجم مع موقفها وسياستها، وترى في الحكومة فرصة تاريخية لإغلاق هذا الملف. يضع مطلب الأحزاب الدينية نتنياهو في موقف حرج جداً، إذ إن تشريع القانون بالصيغة التي تريدها الأحزاب الدينية من شأنه تعميق أزمة المؤسسة العسكرية، ويزيد حالة الغضب الشعبي ضد الحكومة التي خصصت ميزانيات ضخمة للأحزاب الدينية، والآن تذهب نحو إعفاء الطلبة المتدينين من الخدمة العسكرية.

يُدرك نتنياهو أن المشكلة ليست في تشريع القانون، فحكومة أخرى كانت ستعمل على تشريع قانون من أجل تسوية الخدمة العسكرية للمتدينين، وإنما تكمن المشكلة في السياق السياسي والاجتماعي الذي تضغط فيه الأحزاب الدينية لتشريع القانون، وهو السياق المتعلِّق بحالة الانقسام الداخلي في إسرائيل في أعقاب التغييرات الدستورية وأزمة الجيش الإسرائيلي الداخلية. لذلك يُطالِب الجيش بتجنيد المتدينين ليس لحاجته العسكرية لهم، وإنما للحفاظ على تماسكه الداخلي، ومنع أي تأثير سلبي ناتج من إعفائهم على دافعية التجنيد لدى شرائح أخرى في المجتمع الإسرائيلي.

وسيعمل نتنياهو على تشريع قانون لا يُعفي المتدينين من الخدمة العسكرية بصورة مطلقة، وفي نفس الوقت يكون تنفيذه مرهوناً بإجراءات بيروقراطية معقدة تعطي المجال للمتدينين بعدم الخدمة العسكرية إلا بأعداد قليلة كل عام. وتبقى المشكلة أن القانون في هذه الصيغة لن يكون مختلفاً عن القانون السابق الذي ألغته المحكمة العليا، لذلك تطالب الأحزاب الدينية بتشريع فقرة “التغلب” تكون خاصة بهذا القانون تمنع المحكمة من إلغائه، وهذا الأمر بحد ذاته ينتج أزمة دستورية كبيرة، فقد وعد نتنياهو بأن التغييرات الدستورية لن تشمل تشريع فقرة التغلب، ومن ثمَّ، فماذا سيحدث إذا قُدِّم استئناف للمحكمة ضد القانون وضد فقرة التغلب الواردة فيه، بذريعة عدم المساواة. هذه المسألة برمتها ستُدخِل إسرائيل في أزمة جديدة إضافة للأزمات التي تعاني منها حالياً. وليس لدى الأحزاب الدينية، لاسيّما يهدوت هتوراة، خيارات كثيرة، فإما أن توافق على إلغاء القانون، أو تُسقِط الحكومة كما صرَّحت بذلك. 

واشترطت الأحزاب الدينية دعمها للتغييرات الدستورية بتشريع قانون التجنيد، وقد أجّلت ذلك من أجل التغييرات، ولكنها لن تقبل أن تستمر الحكومة بعملها التشريعي دون تشريع قانون التجنيد، وأعلنت ذلك على الملأ، ولجمهورها وناخبيها، لذلك من الصعب أن تتراجع عن هذا المطلب، ولن تتردد قائمة يهدوت هتوراة من الانسحاب من الحكومة بسبب ذلك، وخاصة أن بني غانتس بدأ يتواصل مع حاخامات القائمة في الفترة الأخيرة للبحث في إمكانية الذهاب لانتخابات جديدة وتشكيل حكومة مع المتدينين، وبالنسبة لهم فهذا خيار مطروح، لأن غانتس العسكري قادر على تشريع قانون في غياب سياق التغييرات الدستورية. وبالنسبة لجمهور غانتس سيكون هذا ثمن معقول ومقبول مقابل إلغاء مشروع التغييرات الدستورية بتشكيل حكومة جديدة مع المتدينين.


السابق
بالفيديو.. تيننتي لـ«جنوبية»: «اليونيفيل» لديها سلطة التحرك المستقل بالتعاون مع الجيش
التالي
الوكالة الأميركية للتنمية الدولية تطلق مشروعاً قيمته 96.9 مليون دولار في لبنان