بعد تغييب المؤسس الصدر..45 عاما على «عزلة» المجلس الشيعي تنتهي الى «عزل» المشايخ المعارضين!

موسى الصدر والمجلس الشيعي
كان الامام السيد موسى الصدر صاحب رؤية سياسية اجتماعية شاملة، وكان يدرك ان العمل المؤسساتي لا بدّ منه من أجل نهضة المناطق المحرومة، التي كان ينادي برفع الحرمان عنها، ولما كانت الطائفة الشيعية تفتقر الى مؤسسة ناظمة ترعى مصالحها الدينية وتطالب بحقوقها في الدولة، فانه لذلك أسس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى.

في عام 1959 قدم رجل الدين الشاب السيد موسى الصدر من ايران الى مدينة صور الجنوبية في لبنان، وكان باكورة عمله المؤسساتي إعادة تنظيم هيكلية جمعية البر والإحسان التي كان قد اسسها سلفه الامام الراحل السيد عبد الحسن شرف الدين ، وبعدها قام بانشاء مؤسسات عامة تعنى بالشؤون الدينية، والتربوية، المهنية، الصحية، الاجتماعية. واستحداث دورات محو الأمية كما أنشأ مؤسسة جبل عامل المهنية في ضاحية صور في بلدة برج الشمالي، وأسند إدارتها إلى صديقه الدكتور مصطفى شمران.

كما انشأ مستشفى الزهراء الجامعي، بدأ في لبنان كمستشفى متنقل وهبته دولة أجنبية ليتسلمه الإمام القائد المغيب السيد موسى الصدر عام 1976، ويكون في مكانه الحالي في منطقة الجناح في بيروت، وليعمل الامام الصدر على تثبيته، كمستشفىً يقوم بسد الفراغ في الجانب الصحي الذي كانت تعاني منه الطائفة الشيعية في لبنان في مؤسساته.

انشاء المجلس الشيعي

وحينما وجد الامام الصدر أن لكل طائفة مجلساً ملياً، عمل على إنشاء المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، ليكون مسؤولاً عن رعاية وحماية أبناء هذه الطائفة وذلك بعد مخاض عسير وصراع مرير مع الإقطاع السياسي الشيعي والمتنفذين، ولكن وبتأييد من رئيس الجمهورية شارل حلو ورئيس الحكومة رشيد كرامي في عام 1967، ورئيس المجلس النيابي صبري حمادة، أقر مجلس النواب اللبناني مشروع قانون إنشاء المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، استناداً إلى الأسباب الموجبة التي كان قد بيّنها الإمام الصدر في العام السابق.

إقرأ ايضاً: إسرائيل «تُطوّق» خيمتي «حزب الله» في مجلس الأمن..وشح الدولارات «يُشعل» مزايدات السلطة!

ويقضي المشروع بأن يُنشأ للطائفة الإسلامية الشيعية في الجمهورية اللبنانية، مجلس يُسمى المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، يتولى شؤون الطائفة، ويدافع عن حقوقها، ويحافظ على مصالحها، ويسهر على مؤسساتها، ويعمل على رفع مستواها، ويقوم بتنظيم أوقاف الطائفة.

المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى يواجه تقلصا تدريجيا في مكانته بعد هيمنة حركة امل ثم حزب الله على الساحة السياسية للطائفة

ويوجب المشروع استطلاع رأي المجلس إلزامياً، في مشاريع القوانين والأنظمة العامة العائدة إلى الشؤون الدينية للطائفة الإسلامية الشيعية، ويتألف المجلس من ثلاث هيئات هي: الهيئة العامة، الهيئة التنفيذية، الهيئة الشرعية، وتتألف الهيئة العامة من: قضاة الشرع، علماء الدين والمفتين، الوزراء الحاليين والسابقين، النواب الحاليين والسابقين، الأساتذة الجامعيين، القضاة المدنيين العاملين والمتقاعدين، المحامين والأطباء والصيادلة والمهندسين، الموظفين المدنيين من الفئة الثالثة فما فوق، ممثلي المؤسسات الاجتماعية والثقافية والتعاونيات.

لا انتخابات بعد الحرب الاهلية

وفي عام ،1969 انتخب الإمام السيد موسى الصدر رئيسًا للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى وأعلن برنامج العمل لهذا المجلس. ووجه دعوة لتوحيد الشعائر الدينية بين المذاهب الإسلامية، كما حذر من الخطر الصهيوني المتزايد، وأكد دعمه للمقاومة الفلسطينية لتحرير الأرض المغتصبة. من جهة أخرى أعلن أن الطوائف المتعددة في لبنان نوافذ حضارية على العالم.

وخاض المجلس الانتخاب الثاني في العام 1975، ثم اندلعت الحرب الاهلية، وبعد خطف الامام الصدر في ليبيا واختفائه عام 1978 تولى الشيخ محمد مهدي شمس الدين مقام الرئيس، وبعدها عيّن الشيخ عبد الامير قبلان كنائب للمجلس في العام 1994 لمرة واحدة، ثم تولى مهام الرئاسة بعد وفاة الامام شمس الدين عام 2001، ثم رئيسا له عام 2017، وبعد وفاة الشيخ قبلان عام 2021 تولى مهام الرئاسة نائبه الشيخ علي الخطيب.

ولا شك أن المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، على الرغم من أنه كان في البداية المركز الرئيس لتولّي أمور الشيعة، إلا أنه بدأ يواجه تقلصا تدريجيا في مكانته، بعد هيمنة حركة امل ثم حزب الله على الساحة السياسية للطائفة.

الشيخ محمد علي الحاج، المطلع على تفاصيل عمل المجلس، يرى “أنّ اجراء الانتخابات ومهما كانت النتائج افضل من لا شيئ. ومع علم الجميع ان أحدا لا يجرؤ على منافسة مرشح الثنائية الشيعية اي حركة امل وحزب الله، لكن احتراما للمجتمع الذي هو جمهورهم هل يعقل انه منذ 1975 الى اليوم لا زالت الهيئة العامة والناخبة هي نفسها؟ ألم يتطور هذا المجتمع؟ ألم يتغير؟”.

ومع العلم بأن وظيفة المجلس الشيعي تنظيم شؤون الطائفة الشيعية الداخلية، هي تمثيل الطائفة على المستوى الرسمي والوطني، والتحدث باسمها، ومتابعة قضاياها، وتعزيز حضورها لبنانيا وعربيا وإسلاميا، وهذه الأمور لا تقل أهمية إطلاقا عن حصر العمل بالشؤون الدخلية للطائفة، بل على العكس، حيث إن السعي لبلورة مكانة الطائفة، ورفع شأنها، وتطوير واقعها، وإبقائها حاضرة وفاعلة في مختلف المحافل الوطنية.

امتهان المجلس الشيعي

وبرأي الشيخ الحاج، لا يقتصر غياب المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى اليوم عن الساحة الشيعية الدينية فحسب، بل يكاد يكون حضوره الوطني معدوما بالكامل، فلولا الشيء اليسير من الصلاحيات القانونية المنوطة به، و لولا المعادلات السياسية الطائفية اللبنانية، لما كان لهذه المؤسسة أدنى حضور!

وظيفة المجلس الشيعي تنظيم شؤون الطائفة الشيعية الداخلية وتمثيل الطائفة على المستوى الرسمي والوطني والتحدث باسمها ومتابعة قضاياها

هذا وتقتصر تصريحات وخطب نائب رئيس المجلس الشيعي الحالي على اطلاق المواقف الداعمة للثنائي الشيعي، وهو لم يستطع ايقاف قرار صدر عن هيئة التبليغ في المجلس منذ اسبوعين، قضى بعزل 15 رجل دين من الهيئة العامة ومنعهم من مزاولة المهنة لأسباب سياسية، وذلك رغم معارضة الشيخ الخطيب لهذا القرار، وبذلك تحول المجلس الشيعي من مؤسسة حاضنة للقطاع الديني الى مؤسسة تطارد بعض المشايخ الخارجين عن طاعة زعماء الطائفة!

كذلك فان اوقاف الطائفة الشيعية يسيطر عليها فعليا انصار الثنائية، رغم تبعيتها القانونية للمجلس، وبذلك، يكون “الانقسام الحاصل بين رئاسة المجلس الشيعي، وبين هيئة التبليغ المتمردة على رئيسها الشيخ الخطيب، كما ظهر من خلال البيانات المضادة بينهما، مظهرا جديدا فاقعا من مظاهر الاهتراء والتفكك الحاصل داخل اروقة المجلس الشيعي.

وبالنهاية فقد غاب الامام الصدر وغابت معه مؤسساته التي فقدت فعاليتها ورمزيتها النضالية، وتحولت الى ما يشبه مؤسسات الدولة التي تحكمها الاحزاب الطائفية، وذلك بانتظار عودته من غيابه أو ظهور امام جديد للطائفة الشيعية، يعيد قيام نهضتها الحقيقية، كما ارادها الامام نهضة علمية ثقافية تربوية قبل أي شيء، وليس تضخما بفائض القوة يخفي اهتراءا وفسادا كما هو حاصل اليوم.

السابق
إسرائيل «تُطوّق» خيمتي «حزب الله» في مجلس الأمن..وشح الدولارات «يُشعل» مزايدات السلطة!
التالي
بالصورة :«إتهامية» بيروت «تتنحى» عن ملف سلامة!