حين ينجح «عرابو» الحرب الأهلية في «تطييف» النظام السياسي!

لم تكن الحرب الأهلية اللبنانية سوى مرحلة مفصلية، أو لنقل انتقالية، في تاريخ لبنان المعاصر، الذي اهتزّ تحت وطأتها على المستويات كافة، البشري و الاقتصادي و الاجتماعي والتربوي… وبالتأكيد السياسي.

وتمثّل أخطر ما غرسته هذه الحرب، في ارساء التعصب الدين- سياسي، بحيث تبنّت كلّ طائفة نهجاً سياسياً خاصاً بها، ووسَمت به السواد الأعظم من مواليها، إن لم يكن جميعهم. و أتى الفرز الدينسياسي والمناطقي، ليحوّل لبنان إلى كانتونات، تتبادل فيما بينها حقداً دفيناً، يتلطّى خلف المناداة المنافقة بالعيش المشترك. بتعبير آخر، أضحت كل طائفة تجعل من صراعها مع الأخرى، و أيضاَ محاولة القضاء عليها، علّة وجود تستميت من أجل الدفاع عنه. إلا أنه يجب عدم اغفال أمر، و هو أن هناك أرضية جهّزت لهذا الاستعداد للتعصّب، و تتمثّل في تنشئة غرست عبر أجيال كثيرة، نظاماً قيمياً محوره الانتماء الطائفي. ولسنا هنا بصدد تناول هذه المسألة، إلا أنه كان لا بدّ من الإشارة إليها، إسهاماً في توضيح لسببٍ أساسيّ في جنوح السواد الأعظم إلى التعصب الدين سياسي. ودفع هذا الواقع الدول الإقليمية، إلى فرض نفسها مرجعية لكلّ “كانتون”، و تحويله إلى ورقة عبر تشكيل ميليشيات أو مؤسسات، تضغط بها من أجل مصلحة سياستها الخارجية. و من هذا المنطلق، تحوّل لبنان إلى ميدان لتصفية حسابات دولية و مصالح إقليمية.

بالنسبة إلى الهوية الوطنية، فإنها تعدّ ملحقاً للطائفية

وقبل الغوص أكثر في مسألة التعصب المذكور، لا بدّ من الاشارة، إلى أن الطوائف كانت متشكّلة تاريخياً قبل نشوء لبنان، وراسخة اجتماعياً قبل بناء الدولة. بتعبير أدق، فرض هذا الواقع نفسه، على تشكّل الدولة في لبنان. ومن المعروف أن الدستور الصادر في العام ١٩٢٦ مال إلى دولة “المواطنة”، عبر التأكيد على ضرورة “الغاء الطائفية السياسية، الذي تمّ جعله هدفاً وطنياً أساسياً يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية”. لكن ما حصل هو أن لعبة التشكيلات السياسية اللبنانية، هي التي أبقت على طائفية النظام السياسي و جذّرته أكثر.

وبالعودة إلى الحرب الأهلية، فقد عزّزت تضامناً غريزياً، أبى أن يترك مجالاً للوطني العقلاني، لا بل أكثر من ذلك، عمد إلى ضرب فكرة التعايش المشترك . فجرى دكّ مفهوم المواطنية من خلال إقحام الدين. بتوضيح أكبر، لقد تم أيهام السواد الأعظم، بأن الهوية الطائفية هي الضامنة لمسألة الانتماء، الذي يعدّ بدوره أساساً وجودياً. وأما بالنسبة إلى الهوية الوطنية، فإنها تعدّ ملحقاً للطائفية. وهكذا تمّ تجريد الهوية الوطنية من أهميتها و قيمتها، و حتى ضرورتها، عبر عملية تعبئة منظّمة. وبما أن مسالة الانتماء تعدّ مصيرية ، فمن البديهي أن تناط بشكل وثيق، بتأكيد الذات و تقديرها.

ولم يتمّ ربط تأكيد الذات و تقديرها بالهوية الدينية، التي ترفع من شأنهما فحسب، بل تجلّى الأخطر في تحويل قضايا وطنية إلى “دينية”، و إضفاء طابع القدسية أو الألوهية على الصراع في سبيلها، بغية القيام بعملية تجنيد عقول، طال السواد الأعظم من الناس.
ونتج عن كل ما اسلفناه جنوح كل طائفة بسوادها الأعظم، مسيحية كانت أم اسلامية، نحو الأحادية أو الفاشية.

بتنا أمام عملة ذات وجهين متجانسين من حيث التعصب، لكن مختلفين من حيث اللون، مسلم و مسيحي

كذلك الأمر، لقد تمّ توظيف ما مرّت به الطوائف، نتيجة الحرب الأهلية، من تجارب صادمة، بهدف إطلاق العدوانية المتبادلة بين بعضها البعض، خدمة لتعزيز طائفية النظام السياسي. وبتنا أمام عملة ذات وجهين متجانسين من حيث التعصب، لكن مختلفين من حيث اللون، مسلم و مسيحي. و أضحى كل وجه من هذه العملة، يعتمد على الآخر ليبرر تعصّبه. و كأن هناك تبادل مصالح وجودية دفينة تجري من تحت الطاولات، كما يُقال، عبر توظيف الأرضية الساذجة للبني الفكرية.

يبدو أن عرّابي الحرب الاهلية، نجحوا في تجذير طائفية النظام السياسي، التي كانت من المفترض أن تشكل مرحلة انتقالية، إلى حين أن يستعيد لبنان عافيته

ولم تسلم بدورها الحياة النفسية من الاستغلال، بحيث نجح عرّابو الطوائف، في إيهام السواد الأعظم من الموالين، بأن الإيمان بمعتقدات تخدم مصالحهم، يقيهم من الشعور بالنبذ و العزلة و الاتهام بالضعف و التخوين. وهذا ما سهّل لعملية تماهٍ جماعيّ مع نموذج دين_ سياسي أسّس لفكر فاشي، من خلال تعزيز الروابط اللاعقلانية تحت غطاء مصلحة الجماعة و تماسكها، وذلك من خلال التسلّل إلى العقول، عبر فبركة براهين وهمية و معلومات مزوّرة، لتضييع الناس و ابتزازهم عاطفياً و انفعالياً، عبر اطلاق الشعور بالخوف من الآخر.
خلاصة، يبدو أن عرّابي الحرب الاهلية، نجحوا في تجذير طائفية النظام السياسي، التي كانت من المفترض أن تشكل مرحلة انتقالية، إلى حين أن يستعيد لبنان عافيته. بمعنى آخر، لقد استغل هؤلاء “سذاجة” السواد الأعظم من الموالين، و أسسوا لفدرلة كامنة ونادوا بعيش مشترك “ملغوم”.

وأما بالنسبة إلى التغيير، فقد أثبت فشلاً ذريعاً، في كون أن سواده الأعظم أيضاً، بقي حاملاً لبذور الوصولية و النفاق و عدم النضج السياسي.

ويبقى السؤال، إلى متى سيبقى اللبنانيون عاجزين عن التفلّت من قيود التعصّب الدين_سياسي و الاستلاب، التي يلفّها عرّابو طوائفهم حول أعناقهم؟!

السابق
الدولار على حاله.. هكذا افتتح السوق السوداء صباحاً
التالي
وثائق مسربة: أكثر من 50 مليار دولار صرفها نظام الملالي على بقاء بشار الأسد في سوريا