لم تعد الصيغة التي اعتمدت في آخر بيان وزاري حول “حق اللبنانيين بمقاومة اسرائيل”، تستر عورات حزب الله وتبرر افعاله ونشاطاته، كما لم تعد الثلاثية الذهبية،《 جيش وشعب ومقاومة، التي يتغنى بها المعمّمَان نعيم قاسم وهاشم صفي الدين، تفي بالزام الجيش والاجهزة الامنية اللبنانية، باطلاق حرية العمل العسكري والامني واللوجستي لحزب الله دون قيود، ودون تنسيق او رقابة…
واذا ما سلمنا جدلا، بجواز نقل سلاح لمقاومة اسرائيل، فمن يتحقق ويتفحص ما اذا كانت حمولة الشاحنة هي مخدرات او حبوب كبتاغون، وقد بينت لنا الوقائع والاحداث، تورط كوادر ومشايخ من عداد حزب الله بعمليات تهريب موصوفة، ومثبتة بمحاضر واحكام قضائية رسمية.
كما من يثبت ويتحقق من انها ليست سلع تجارية مهربة، او هواتف خليوية وادوية قليلة الجودة، يتم استقدامها الى الاسواق اللبنانية بهدف التربح وجني الاموال، على حساب خزينة الدولة وماليتها العامة…
المطلوب اليوم ان لا يستطيع حزب الله نقل اي سلاح الا باشراف الجيش ورقابته الم يكن من الاجدى ان ترافق شاحنة الكحالة سيارة لمخابرات الجيش بدل ان ترافقها مواكبة من حزب الله
واذا ما سلمنا جدلا انها اسلحة وذخائر، فمن يؤكد ان هدف استعمالها هو في وجه اسرائيل، وانها لن تذهب الى عشرات المواقع لحزب الله، لاستعمالها في داخل لبنان لا على حدوده في وجه العدو، وقد تعددت المناسبات التي استعمل فيها حزب الله سلاحه، في نزاعات داخلية من خلدة الى وادي الزينة الى راس النبع، الى استهداف جنود قوات الطوارئ الدولية العاملة جنوب الليطاني، وقتل الجندي الايرلندي في اليونيفيل، كما استعملت هذا السلاح سرايا المقاومة في اشتباكات، انفجرت لخلافات تتعلق بتوزيع خدمات المياه او اشتراك الانترنت والتلفزيون، او التقاسم على العاب القمار غير الشرعية…
واذا ما سلمنا انها من اجل قتال اسرائيل، فمن يؤكد انها لن تكون لتزويد حركة حماس والجهاد الاسلامي، لتطلقها كصواريخ يتيمة ينكرها حزب الله، ويتبرأ من مسؤولية اطلاقها، لتكون رسائل في بازار اقليمي، لا دخل للبنان او فلسطين بها…
إقرأ أيضاً: حارث سليمان يكتب لـ«جنوبية»: قسوة الانتظار
أما الاحتمال الاكثر خطورة، فهو أن تكون الجهة او المنطقة التي كانت تنقل الذخائر اليها، هو مخيم عين الحلوة، لتزود بها مجموعات ارهابية متطرفة مثل؛ جند الشام وعصبة الانصار وجماعة بلال بدر، وبذلك تصبح الشاحنة سلاحا ارهابيا صافيا… سيشعل صيدا وجوارها ويقطع طريق شركات البترول، التي تتحضر للحفر في البلوك رقم ٩ قبالة بحر صور…
و لذلك فالمطلوب من الجيش ليس فقط فض الاشتباك بين اهالي الكحالة وعناصر حزب الله، وحسنا أنه فعل ذلك، وليس مصادرة محتويات الشاحنة فقط، بل استجواب السائق ومرافقيه وعناصر المواكبة لمعرفة وجهتها، والتدقيق في هدف نقلها وتوقيته، ومعرفة الجهة التي كانت تنتظر استقبالها…
المطلوب اليوم، ان لا يستطيع حزب الله نقل اي سلاح الا باشراف الجيش ورقابته، الم يكن من الاجدى ان ترافق شاحنة الكحالة سيارة لمخابرات الجيش، بدل ان ترافقها مواكبة من حزب الله…
المطلوب من الجيش ليس فقط فض الاشتباك بين اهالي الكحالة وعناصر حزب الله وحسنا أنه فعل ذلك وليس مصادرة محتويات الشاحنة فقط بل استجواب السائق ومرافقيه وعناصر المواكبة لمعرفة وجهتها
واذا كانت مقاومة حزب الله لا تثق بالجيش، فعلام الجيش يثق بحزب الله، وعلام الشعب يثق بالاثنين معا، وعلام لازمة الاغنية ” جيش وشعب ومقاومة”؟!
فقد حزب الله صورته في ٧ ايار، حين استعمل سلاحه في وجه اطراف لبنانية اخرى، وفقد قضيته كمقاتل من اجل الحرية، حين انخرط في الدفاع عن أنظمة الاستبداد والفساد في سورية واليمن، وفقد احتضان المسلمين حين انخرط في فتنة سنية شيعية، ادت الى تهجير الملايين من أهل السنة في العراق وسوريا، وفقد حزب الله مصداقيته يوم انجز ترسيما بحريا مع اسرائيل ارادته ايران، وتنازل من خلاله عن حصة لبنان في حقل كاريش وقسم من حقل قانا، ويفقد اليوم في الكحالة مهارة وحسن تدبير، طبعت نشاطه خلال الحقبات الماضية.
ما اورناه اعلاه يفترض دورا مطلوبا لحزب الله في قتال اسرائيل، لكن هذا الدور لم يعد موضع قبول لبناني، او عربي او دولي، بعد عدوان تموز سنة ٢٠٠٦، ولم يعد يقنع غالبية كبرى من اللبنانيين، وحتى الشيعة منهم، بفائدة اصرار حزب الله على إبقاء سلاحه مشرعا للاستعمال في خدمة ايران، في حين ان مشكلة مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، يمكن حلها عبر اعتراف سوري مكتوب بلبنانيتها يودع منظمة الامم المتحدة.
اليوم تعيد حادثة الكحالة مسألة حق الدولة الحصري باحتكار العنف والسلاح واستعماله لتنفيذ القانون ويواجه الجيش وقائده تحديا حقيقيا ليحسم موقفه بان يكون مع الدولة بشروط الدولة
اليوم تعيد حادثة الكحالة، مسألة حق الدولة الحصري، باحتكار العنف والسلاح واستعماله لتنفيذ القانون، ويواجه الجيش وقائده تحديا حقيقيا، ليحسم موقفه بان يكون مع الدولة بشروط الدولة، او يترك للدويلة امر الاستمرار بنهش الدولة، وتمريغ انفها واستباحة قانونها ودستورها وهيبتها
القضاء العسكري اذا تحرك وقام بتنفيذ القانون، سينقذ ما تبقى من الدولة وسيادتها، وما تبقى من الجيش وهيبته ومن اجماع اللبنانيين حوله، وسيحسم التوازن السياسي في معركة رئاسة الجمهورية.
كلمة اخيرة لا مصلحة ولا فائدة، بوضع حادثة الكحالة في اطار دور الكحالة في الحرب الاهلية واحداثها، فلا توقظوا كوابيس قديمة، من اجل حدث راهن ومتفجر.

