في غرف الانتظار يقيم الملل والرتابة، وفي الصفوف الممتدة على ابواب مداخل الخدمات، يتكون التأفف وقد يبلغ حد النقمة والتذمر، وفي حالات استحالة تحقيق الهدف او الشك الكبير بامكانية انجازه، يصبح التعلل بحدوث تطور خارجي أو معجزة ألهية، وهماً جميلا ومفيداً، تداري به النفوس وصولها إلى حافة اليأس قبل هاوية الانهيار.
اقسى أنواع الإنتظار هو الانتظار دون أمل، لنيل مكسب او خدمة او فائدة، او دون توقع اية نتيجة
واقسى أنواع الإنتظار هو الانتظار دون أمل، لنيل مكسب او خدمة او فائدة، او دون توقع اية نتيجة، وهي حالة يصبح من يقع فيها، هائما على وجهه في كل اتجاه… فينفصل عن واقعه ليصبح دون ارادة، ودون قرار وفاقدا لكل مبادرة، منكفئا عن اي عمل، ومنطويا على ذاته يستعيد ماضيه، ويحاكم خيارات حياته، ويتفحص تجاربه واحداث واجهها او خضع لتداعياتها. في المرحلة هذه يقوم الانسان، ذكرا او انثى، بالاستقالة، وهي ليست استقالة من العمل فقط، بل تكون استقالة من كل مسؤولية او واجب، وقد تكون استقالة من الابوة او الامومة، او استقالة من الصداقة والالتزامات العائلية او الواجبات الاجتماعية، او حتى المشاركة في افراح الاصدقاء او احزانهم ومناسباتهم، على اختلاف أسبابها واوقاتها. الإنتظار على مستوى الأفراد تمرين يكابده غالبية الأحيان، كبار السن ممن خرجوا من مرحلة النشاط والعمل والإنتاج، الى مرحلة التقاعد وبيوت الراحة، وفي دول الغرب وأوروبا تقوم جماعة العمر الثالث بتحضير فترة تقاعدهم، امكنة وسياحة وانشطة وخدمات، وتقوم النخب منهم بكتابة سير حياتهم وإصدار كتب وقصص وذكريات…
الانتظار شأن لشعب بكامله، بكل أجياله وفئاته ومناطقه
اما في لبنان، فان الانتظار شأن لشعب بكامله، بكل أجياله وفئاته ومناطقه، الشباب في حمأة انتظار فرصة للهجرة، والاطفال ينظرون في وجوه امهاتهم، وينتظرون بسمة او ضحكة تمسح حزنا، أو تخفف قلقا وخوفا، فقد انتظر اصحاب الودائع في النظام المصرفي أن يستردوا ودائعهم، كاملة في الستة أشهر الأولى من الازمة، ثم انتظروا ان يستردوا قسما منها، في السنة التي تلت، ثم انتظروا أن يسترد أصحاب الودائع الصغيرة ودائعهم التي لا تتخطى مائة ألف دولار أميريكي ، واليوم ينتظرون وعدا لا يصدر عن اية جهة برد جزء من الودائع بشكل تدريجي… ينتظر اللبنانيون كافة ان يستعيدوا قدرتهم، على نيل خدمات الطبابة والاستشفاء وعلى توفر الدواء، ويهيمون ضائعين لإيجاد جهة ضامنة تتكفل صحتهم ومداواتهم وشفاءهم…ينتظر اللبنانيون توفر خدمات الدولة وادارتها، في كل امر مالي قضائي وأمني وعقاري دون جدوى، ويلوح في الأفق ملامح تفاقم الأزمة وتفكك وانعدام كل الخدمات…
ينتظر اللبنانيون دون امل او بارقة انفراج، الكهرباء والماء والاتصالات، ويخشون المزيد من انهيار أنظمة التعليم بكل مستوياتها واصنافها…ينتظر اللبنانيون اصحاب الاجور بالليرة اللبنانية، حلا لمعضلة تدني قدرتهم الشرائية ولتأمين سلات عائلاتهم الغذائية… ويخشون الوصول إلى انقطاع رواتبهم أو انهيارا متجددا في قيمتها مقابل الدولار الأميركي…لا يوجد شعب، في غير لبنان، يمارس هذا الانتظار الشامل والدائم والمتجدد، ولا وجود لمنظومة سياسية، تراهن على دوام الفراغ والافراغ والشلل، في كل مواقع السلطات، ابتداءً من رئاسة الجمهورية مرورا بقيام حكومة ومجلس وزراء مكتمل الصلاحيات، الى قيام حياة برلمانية معافاة؟ وسلطات قضائية فعالة ونزيهة، ولا يوجد في أي زمن من أزمنة التاريخ، منظومة سياسية حاكمة، تعتبر أن حمايتها لذاتها مرهون بتفكيك الدولة التي تديرها، وتخريب صلاحيات المؤسسات التي تتولى شؤونها، والحرص على بقاء انسداد الطريق لأي حل سياسي، يعيد بناء السلطة واستعادة التعافي الاقتصادي.
فمنظومة الفساد والفشل والارتهان إلى الخارج، ترفض حقيقة أصبحت ماثلة أمام العالم أجمع، والحقيقة هذه انها بلغت سن التقاعد والصرف من الخدمة، وان استقالتها ورحيلها الى جلسات المحاسبة، باتت شأنا بديهيا وطبيعيا ومطلوبا من جهات مختلفة ومصالح متقاطعة.مع ذلك تأبى المنظومة الرحيل وتفضل ممارسة الانتظار أيضا!
جدوى انتظار المنظومة السياسية، حتى اكتمال عمليات تفتيت هيكليات الدولة واضمحلال وظائفها، واستقدام الانهيار الشامل حتى الارتطام الكبير، فهو رهان على تسوية خارجية دولية وإقليمية
أما جدوى انتظار المنظومة السياسية، حتى اكتمال عمليات تفتيت هيكليات الدولة واضمحلال وظائفها، واستقدام الانهيار الشامل حتى الارتطام الكبير، فهو رهان على تسوية خارجية دولية وإقليمية، تتضمن فيما تتضمن تعويم المنظومة لدورها وعلاقاتها الخارجية، وهو أمر يبدو حتى الآن خارج اهتمامات الدول ومصالحها…أما الخارج الاقليمي، بإستثناء ايران، فهو ينتظر تطويع المنظومة واستسلامها، لكي يتم تنفيذ برنامج الإصلاح الشامل، وإلاّ انهيار لبنان كل لبنان، بما في ذلك انهيار منظومته السياسية…بين انهيار شامل لكل لبنان، وبين انهيار منظومة الفساد والفشل والارتهان للخارج، يمارس شعب لبنان الانتظار المضني، فيما تمارس المنظومة السياسية كل انواع الوقاحة والصلف والتسول لصفقة تعيد إنتاجها.وليس لأحد من خيار سوى الانتظار.

