أحبت صديقة
أن اشاركها التفكير
في موضوع اطروحتها للدكتوراه،
الذي اختارت أن يكون
عن كتاب “الف ليلة وليلة”.
توقّعت مني
مساعدة منهجية لا أكثر،
فأنا لم اكن اعرف عن الكتاب
اكثر مما يعرفه معظم الناس،
وهو ان الملك شهريار
منذ أن اكتشف خيانة زوجته له وقَتَلها،
راح يتزوج كل ليلة جارية عذراء
ومن ثم يقتلها،
الى ان صَعُب إيجاد جارية جديدة له،
فما كان من احد وزرائه
الا ان قرر تزويجه ابنته
واسمها شهرزاد.
بدأت شهرزاد
منذ ليلتها الاولى،
برواية القصص والحكايات
التي استرعت انتباه شهريار،
فقررت عدم إكمال حكايتها
في الليلة الواحدة،
بل التوقف عن السرد
في منتصفها،
واعدة شهريار
انها ستكمل له الحكاية
في الليلة القادمة،
مما سمح لها بإطالة عمرها،
اذ أن شهريار لم يقتلها
بانتظار استكمال الحكايات
ليلة بعد ليلة،
الى ان احبها في النهاية.
ما هو متداول
في اوساط الرأي العام
ان شهرزاد اقنعت شهريار
بإبقائها حية،
بفضل الخطة التي اتبعتها
في سرد الحكايات
وقطعها في منتصفها.
نعرف من خلال تتبعنا
للمسلسلات التلفزيونية،
أننا نحن أيضا
نتشوق لمعرفة ما سيحصل
في الحلقة القادمة
بعد نهاية كل حلقة
في لحظات مفصلية.
لكننا نكتشف
بعد ان ينتهي المسلسل،
اي بعد ان نعرف كل ما كنا
نتشوق لمعرفته
من حلقة الى حلقة،
إننا إفتقدنا المسلسل ككل
بعد أن انتهى،
وكأن ما كان يجذبنا في الواقع
ليس الحماس لمعرفة ما سيحصل فحسب
بل “القصص” بحد ذاتها،
بما تحتويه من أحداث ومشاعر وبطولات،
وهذا ما لا نريده ان يتوقف
في مجرى حياتنا.
إذاً لا بد أن شهريار
استمتع بالحكايات
ليس فقط لأن شهرزاد
قد قسّمت الحكايات
مرحلة مرحلة،
وهو لم يشأ ان يتخلى
عن هذه المتعة،
وكان ربما يفرح في قرارة نفسه
أن شهرزاد اعتمدت هذا الخطة
ويتمنى أن تستمر فيها.
هنا تبدو الحكايات
او القصص او التجارب او المعارف
التي نتبادلها
او نسردها بعضنا لبعض،
عاملا جاذبا لتوطيد العلاقة
واستمرارها بين شخصين،
كما أن غيابها
ربما كان عاملا
في حلول الضجر في العلاقات
او في انحلالها.
لكن التركيز على الحكايات
كعامل جذب وحيد،
يكاد ينسينا
ان شهريار وشهرزاد
كانا يتبادلان النظرات
فيما شهرزاد تسرد وشهريار يستمع،
كما أن شهريار كان يركّز
وهي تروي له لساعات،
عل شفتيها ويديها وطريقة تعبيرها،
كذلك على ذكائها وطرافتها،
فتقترب يداها منه ثم تبتعدان
على وقع أحداث الحكاية.
ولا شك ان شهريار كان يعلّق على الحكايات
ويطرح الاسئلة،
بحيث تتسلل مشاعره
مع شهرزاد،
الى مضمون هذه التعليقات والاسئلة.
لا ننتبه
عندما نتساءل
ما الذي اقنع شهريار
بعدم قتل شهرزاد،
ان السؤال الأصح
هو كيف أحب شهريار شهرزاد
هو الحاقد على النساء،
فننظر عندها الى العلاقة بينهما
كنتيجة للتفاعل
بين الأحاديث ولغة الجسد
والتواطؤ الضمني
بين أرواح الطرفين.
على الا ننسى
انه يمكن ان تكون شهرزاد
قد أبدعت في حكاياتها
لأنها احبته
وليس فقط حفاظا على حياتها،
وان يكون حبها
هو ما أعاد الى شهريار
ثقته بالحب.
إقرأ ايضاً: صفحة سلامة تطوى اليوم بلا حاكم جديد..و«جلسات تشاورية» برعاية فرنسية مطلع ايلول!

