وجيه قانصو يكتب ل«جنوبية»: لبنان بين تناقضات الداخل ومؤثرات الخارج!

وجيه قانصو
يخص الدكتور وجيه قانصو «جنوبية» بمقال أسبوعي ينشر حصرياً على صفحات الموقع ومنصاته.

تتنوع تصويرات الأزمة اللبنانية وتتعدد تفسيرات انسداداتها المحكمة. ورغم ذلك، يمكن حصر هذه التصورات والتفسيرات في اتجاهين أساسيين:

الاتجاه الأول يعتبر أن الأزمة اللبنانية الراهنة، هي نتيجة تناقضات ذاتية لم تستطع التجربة اللبنانية معالجتها أو تفكيكها. هي تناقضات كان صناع القرار والمشرعون يتجنبون مواجهتها ومعالجتها، ويكتفون بدفعها إلى الأمام، الأمر الذي تسبب بمراكمة العثرات والثغرات والفراغات، ووصولها حدّاً أخرجها عن السيطرة والتحكم.

أبرز هذه التناقضات تأسيس الكيان اللبناني على بنية طائفية.

من أبرز هذه التناقضات، تأسيس الكيان اللبناني على بنية طائفية. فبعد أن كانت الطوائف مكوّنات اجتماعية ذات عمق ديني، اتخذت هذه المكوّنات بعد نشوء الكيان اللبناني حقيقية سياسية، وباتت مرجعية قانونية مستقلة عن الدولة نفسها. تجلى هذا في اعتماد التعيين في مناصب الدولة، على توزيع طوائفي صارم، وفي استناد التمثيل النيابي إلى قاعدة طائفية. هذا الوضع جعل الهوّية الطائفية في حال تضخم فائق، جعلها أساس وعي الفرد السياسي ومدار تضامناته وولائه السياسيين، ما تسبب برسم فواصل عميقة بين الافراد المنتمين إلى طائفه معينة من جهة، وبين الأفراد المنتمين إلى باقي الطوائف من جهة أخرى. بالتالي بات الوعي بالدولة ضبابياً، والولاء لها في أضعف مستوياته، وباتت الهوية الجامعة هشّة وضعيفة، وعرضة للتفكك والتشظي عند كل منعطف أو توتر طائفي.

أما الرسوخ الأخطر للطائفية، فكان في إحالة الجزء الأكبر من التشريعات المدنية، بخاصة المتعلقة بالأحوال الشخصية، من زواج وطلاق وعلاقات أسرية ونفقة وحضانة ومواريث، من مختصات كل طائفة. هذا الأمر ولد تفاوتاً واختلافاً، في القوانين والتشريعات التي يخضع لها كل فرد، فلم يعد المواطنون يخضعون لمبادىء مشتركة في تنظيم تفاصيل حياتهم، وبات للطائفة سيادة ذاتية مستقلة عن مؤسسات الدولة، في وضع تشريعاتها وقوانينها ورعاية أفرادها، بل بات لها سلطة أمر ونهي ملزمة للدولة نفسها، ما خلق ثنائية سيادة مبطنة بين الدولة من جهة، والطوائف المتعددة من جهة أخرى، فكانت الدولة من بداية تكوينها منتقصة السيادة.

أما الرسوخ الأخطر للطائفية فكان في إحالة الجزء الأكبر من التشريعات المدنية بخاصة المتعلقة بالأحوال الشخصية

الوضعية الطائفية، أسهمت إلى حد بعيد، في نشوء شبكة مصالح ومحسوبيات وولاءات على هامش الدولة، عزّزت حالة الزبائنية في الحياة العامة، وأمّنت أرضية مريحة وخصبة للفساد والهدر وسرقة المال العام والصفقات المشبوهة التي كانت تحصل على مرأى من الجميع، من دون وجود رادع أو عواقب فعلية، بحكم الحماية الطائفية التي توفرها لها.  لذلك يعتبر أصحاب هذا الإتجاه، أن وراء فترة الوفرة والاستقرار التي نَعِمَ بها لبنان، كان هنالك ارتجاجات وتصدعات تحصل تحت السطح، ترجمت نفسها بأزمات اجتماعية، وتفاوتات طبقية، ومشكلة مركز وأطراف، ومغبونية وحرمان عند طرف، وخوف وريبة عند طرف آخر. ولّدت جميعها أرضية خصبة للصراع، ونشوء أيديولوجيات تعبوية وقتالية، وظهور ممارسات قتل وتصفيات وتهجير على خلفية طائفية. 

الوضعية الطائفية أسهمت إلى حد بعيد في نشوء شبكة مصالح ومحسوبيات وولاءات على هامش الدولة

أما الإتجاه الثاني، فلا ينكر أصحابه وجود تناقضات وأزمات داخلية، ومواضع خلل وعطب في مجرى الحياة العامة. لكنها تناقضات وأعطاب لم يولدها الكيان اللبناني أو صيغة نظامه، بل كانت موجودة قبل نشوء الكيان، وبمثابة إرث ثقيل كان على الكيان السياسي الجديد، تحمّل تبعاته وتقديم وصفات ووضع آليات لاستيعابه ومعالجته.

ويرى أصحاب هذا الإتجاه، أن الزمن كان كفيلاً بحلّ واستيعاب وتجاوز، جميع تناقضات الكيان ومعضلاته، لو قيّض للتجرية اللبنانية أن تأخذ مسارها التاريخي الكافي. إذ لا يمكن التنكر للإنجازات الثقافية والاقتصادية والفنية والإبداعية التي حصلت في فترة الاستقرار، وهي إنجازات أسهمت في ظهور الشخصية اللبنانية ذات التمايز السياسي والثقافي cultural الخاصّين، وفي تولّد دينامية سياسية ذات تضامنات عابرة للطوائف، وفي خلق أرضية صلبة للتطور والإرتقاء بالكيان اللبناني، مجتمعاً ودولة، إلى مستويات متقدمة من التناغم الداخلي والتوزيع المُنصِف للموارد.

الذي حصل أن العوامل الخارجية الضاغطة على لبنان، هي التي عطلت الدينامية الداخلية، وفرضت على لبنان أجندات وأيديولوجيات ليست من طبيعته وسنخه، وورّطت لبنان في صراعات خارجية وتجاذبات دولية، لم يكن لبنان، بصغر حجمه الجغرافي والبشري ومحدوديته الاقتصادية، قادراً على مقاومتها أو منعها.

العوامل الخارجية الضاغطة على لبنان هي التي عطلت الدينامية الداخلية وفرضت على لبنان أجندات وأيديولوجيات ليست من طبيعته وسنخه

فالذي راكم التناقضات وفجّر الأزمات، لم يكن الجدل أو السجال الداخليين، بل إملاءات ووصايات ووضعيات فرضتها مؤثرات وتدخلات خارجية، لعبت دوراً في تضخيم التناقضات الداخلية واللعب عليها وإساءة استعمالها، وخلقت مناخات أمنية وعسكرية، لم يعد لبنان قادراً على لجمها أو الحد من تضخمها.

يمكن تلمس ذلك، بحسب هذا الاتجاه، منذ ظهور القضية الفلسطينية، والجدل الذي أثير حول اعتماد لبنان، جبهة مفتوحة للعمليات الفدائية ضد إسرائيل، وفي ظهور السلاح الفلسطيني داخل لبنان لخلق بؤر أمنية، واعتماده وسيلة قوة للتدخل في الحياة السياسية اللبنانية. يلي ذلك الوصاية السورية التي دامت لمدة عقدين تقريباً، ولعبت دوراً مدمراً للحياة السياسية، وأخيراً وضعية سلاح حزب الله، الذي ما يزال يصر على توظيف سلاحه أداة إسناد استراتيجي لسياسات إيران الخارجية، واعتماد هذا السلاح عنصر قوة وهيمنة وترهيب في الداخل اللبناني، لا عنصر أمان وحماية للجميع. هذه العوامل مجتمعة، أحدثت أعطاباً وتوترات داخلية، وتسببت في شل الحياة العامة، وفي إشغال اللبنانيين بقضايا ومسائل، ليست من صلب الواقع اللبناني ومشكلاته الحقيقة والفعلية.

بالتالي فإن مراحل الاقتتال الداخلي في لبنان وحالة الإنسداد الراهنة، لم تكن جميعها بفعل عوامل ذاتية، أو بسبب عطالة النظام وتناقضات الدستور، بل هي بفعل تحريك خارجي ممنهج، عمد إلى استغلال الثغرات والفراغات الدستورية، والى تضخيم حالات المغبونية، وتوتير مشاعر الخوف والقلق عند مكونات المجتمع اللبناني، لغرض حرف النقاش السياسي عن مساره الطبيعي، وفرض عناوين ومقولات ووضعيات، لا تمت إلى حقيقة الواقع اللبناني، وتتنافى مع ثقافته وأولوياته شبكة مصالحه. 

مراحل الاقتتال الداخلي في لبنان وحالة الإنسداد الراهنة لم تكن جميعها بفعل عوامل ذاتية

قد يكون لكل من الوجهتين من الأدلة والشواهد ما يدعم فكرتها، ويمنحها حظّاً معتبراً من الصحة والصدقية، ما يفرض علينا عدم المبالغة في تصوير تناقضات الداخل، وعدم حصر مسببات الأزمة بالعوامل الخارجية، ونغفل الاعتبارات الداخلية. لكن من المؤكد أن دور الخارج يحدّده درجة قوة وهشاشة الداخل، أو تماسكه وتهافته. فبقدر ما يكون الداخل هشاً يكون للخارج منافذه ومداخل تأثيره، وبقدر ما يكون الداخل متماسكاً ومتناغماً، بقدر ما يكون التأثير الخارجي هامشياً وثانوياً.

هذا يعني أن الداخل والخارج يتعالقان بطريقة جدلية، بل هما بنحو ما وجهان لحقيقة واحدة، وهي حقيقة قدرة الكيان اللبناني، بمكوناته المجتمعية ومجموع أفراده، في إثبات نفسه حقيقة كيانية مستقلة، أمام الكيانات الخارجية الأخرى، وفي قدرة هذا الكيان، لا في إزالة تناقضاته ومنع أزماته، ولكن في إدارتها وتنظيمها والتحكم بها بكفاءة عالية.

السابق
عيد الاب برفقة ابنتك وابنك وفي غياب الاب
التالي
بالصورة: «التمييز» تردّ طلب اهالي ضحايا «مجزرة أنصار» نقل الدعوى.. هل يتنحّى صدقي؟