“إبتسم أيها الجنرال” ، ليس مجرد عنوان لمسلسل عربي سوري يحكي قصة “نهرين” عربيين شقيقين هما فرات وعاصي.. بل هو واقع يحكي تاريخ أمة على مدى ثلاثة أرباع القرن، أي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى اليوم، أمة أنهكتها صراعات القصور ومؤامراتها، فصبغت أنهرها بلون الدم، وهي حكاية مستمرة بلا إنقطاع على إمتداد البقعة العربية، الممتدة من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي، كما يقال في الأدبيات القومية العربية، وآخر فصولها ولن يكون الأخير بالطبع، هو ما يجري اليوم في السودان بين “نهري” النيل الأزرق والأبيض “الشقيقين” برهان وحميدتي.
فإبتسم أيها الجنرال العربي ..
بات من حقك اليوم وبعد هذه السنين أن تبتسم، كيف لا وصورة الجنرال في العالم العربي باتت معمَّمة، ولم تعد محصورة بالعسكري الآتي على صهوة دبابة، فهو أصبح يأتي على هيئة ملك أو سلطان بتاج وصولجان ونياشين وعلى صهوة بيعة مفروضة، وقد يأتي على صورة أمير بدشداشة عربية وشماغ و”سيف” على صهوة جواد عربي أصيل، أو رئيس مدني بربطة عنق أنيقة على صهوة سيارة مصفحة، أو حتى رجل دين بعمامة ولحية بيضاء أو سوداء على صهوة فتوى طارئة، كلهم ” جنرالات ” بصور متعددة، ولكن بممارسات وجينات متشابهة، وإن كان ضررها يختلف نسبياً بين بلد وآخر، وبحسب ظروف كل منها .
إبتسم أيها الجنرال العربي …
كيف لا والجنرال في العالم العربي، لم يعد بالضرورة هو من في الحكم فقط، فهو موجود كذلك في معارضات غب الطلب، تعمل على القطعة، لكنه هنا جنرال بلا أنياب ومخالب ينتظر الفرصة للإنقضاض، ومدعوم من أنظمة لا تلبث أن تكتشف بأنه “إنما الجنرالات أخوة” في السراء والضراء، تجمعهم “حظيرة” واحدة كان إسمها الوطن العربي، فتتراجع وتعود على طريقة “ما الحب إلا للجنرال الأول” وما أحلى الرجوع إليه.
الحاكم هو العام، الذي يختصر الوطن المحكوم بأرضه وسمائه وشعبه ومؤسساته
إبتسم أيها الجنرال العربي …
كيف لا، وكلمة جنرال باتت تُؤخذ في العالم العربي بمعناها اللغوي الفرنسي أي “العا “، فالحاكم هو العام، الذي يختصر الوطن المحكوم بأرضه وسمائه وشعبه ومؤسساته، هو المالك والشعب هو المملوك، هو “الديك” تارةً في قصيدة نزار قباني الذي يصيح “يا سبحاني يا سبحاني” ، وهو “السيَّاف” في قصيدة أخرى تروي سيرته، هو من يرى نفسه “مخترع المشنقة الأولى وخير المرسلين”.
إبتسم أيها الجنرال العربي ..
كيف لا، وقد تفوقت ببراغماتيتك على أستاذك وأميرك ماكيافيللي، وذلك عندما فهمت بأن الغاية خاصةً تلك غير الشريفة، لا يمكن الوصول إليها بوسائل شريفة، وبالتالي فالوسيلة أياً كانت هي مبرَّرة ما دامت تخدم الغاية، فهذه طبيعة البشر من طينة ورتبة “الجنرال”، وكذلك طبيعة الأشياء، عندما يتحول الوطن إلى غابة يملكها ويحكمها “الأقوياء” بأنيابهم ومخالبهم.
إبتسم أيها الجنرال العربي …
كيف لا وقد تفوقت أيضاً على “جنرالات” العالم أقرانك، فأنت معجزة لم تحدث من قبل، أنت الوحيد في العالم الذي يمتد حكمه طيلة حياته، ومن ثم يحكم من قبره سواء عبر توريث “جنرال صغير” ، أو عبر مؤسسة تحمل نفس صفاتك وإن تغيَّرت الوجوه.
إبتسم أيها الجنرال العربي …
كيف لا، وقد تفوقت كذلك على نيرون الذي أحرق روما بالنار، وحللت مكانه على رأس القائمة، فأنت أحرقت البشر بالغاز والكيماوي ودمرت الحجر بالحديد والنار، وهجَّرت الملايين براً وبحراً وجواً بالإرهاب والإغتصاب، وإعتقلت عشرات الآلاف وأخفيت مثلهم قسرياً، وحوَّلتهم إلى “فئران تجارب” أو قطع غيار بشرية، وإلى أرقام في تقارير منظمات حقوق الإنسان الدولية.
إبتسم أيها الجنرال العربي … إبتسم … ولو إلى حين .. أما نحن فما لنا غير الله، و” سنخبره ” يوماً ما بكل شيء
إبتسم أيها الجنرال العربي …
كيف لا، وقد خدمتك الظروف الدولية وصراعات الأنظمة وعُهر الأخلاق السياسية – إن وجدت أصلاً – فأحسنت إنتهازها، وجلبت البعض منها ليحمي عرشك، مقابل تقاسم النفوذ في مزرعتك، غير آبه بسيادة “الوطن” ولا بمستقبل الشعب وثرواته، إذ لا سيادة فوق “سيادتك” ولا مستقبل ل “العبيد” ولا ثروات بدونك، أنت ثروتهم ومستقبلهم.
إبتسم أيها الجنرال العربي … إبتسم … ولو إلى حين .. أما نحن فما لنا غير الله، و” سنخبره ” يوماً ما بكل شيء.

