ليس دفاعاً عن الممثلة جوانا كركي، أو تَبنٍ لعبارتها الكوميدية المبتذلة: “فاتوا فينا الإنكليز والطليان”، التي قد تثير الضحك عندما تقال داخل مجال ثقافي واجتماعي، تكون فيه العلاقة الجنسية مسألة شخصية، ذات صلة بالاختيار الفردي للمرأة وحدها. لكنها بالتأكيد ستكون صدمة لمخيال مجتمعي، ما يزال يعتبر أن التعرض لجسد المرأة، تصريحا أو تلميحاً أو حتى لمساً، من التابوهات التي يتسبب هتكها باختلال نظام المجتمع وتصدع قيمه.
بالتالي، ستكون نكتة جوانا كركي سمجة بل مُهينة، في بيئة ما يزال أي إيحاء جنسي حول المرأة، مقرونا بعنواني العِرض والشرف. وهما عنوانان يتسبب التعرض لهما أو الخدش بهما، ولو كان ذلك بالكلام، بالطعن بعفة وحصانة المرأة بصفتهما، بحسب هذه البيئة، رصيد المرأة الأساسي، وباستجلاب العار لا على المرأة وحدها، بل على جميع أفراد العائلة والعشيرة، وربما كما في حالة لبنان على أتباع المذهب أو الدين كله.
إقرأ أيضاً: وجيه قانصو يكتب لـ«جنوبية»: إلغاء شرطة الأخلاق..أول الغيث
أقصى ما يقال فنياً أو كوميدياً لمن لم يعجبه هكذا سكتش هو أنه: مبتذل، غير موفق، حبكته ركيكة، لم يحسن انتقاء عباراته، ربما سييء. لكن أن تطلق إنذارات العِرض والشرف، ونداءات النفير العام للذود عن الحَرَم والحريم، والدعوة إلى الانتقام لطهر وعفاف بناتنا ونسائنا، فهذا أخذ المسألة إلى مكانها الخاطىء، من خلال تحريك جدل وتعميم تعبئة وشد عصب، لا صلة لها جميعاً بالحلقة الكوميدية، وإنما لترسيخ ذهنية ذكورية قائمة، وتأبيد ثقافة الدفاع المستميت عن الشرف والعِرض المهددان من كل حدب وصوب، وضرورة وجود حافظ لهما، حام لحياضهما، صائن لقيمهما، وهو حزب الله.
تحريك جدل وتعميم تعبئة وشد عصب، لا صلة لها جميعاً بالحلقة الكوميدية، وإنما لترسيخ ذهنية ذكورية قائمة، وتأبيد ثقافة الدفاع المستميت عن الشرف والعِرض
تحولت الحادثة إلى قضية شهامة رجولية وأنفة شبابية، تهبان للذود عن عِرض أو شرف المرأة، ما يدل على وجود ذكورية متضخمة وامرأة ضعيفة بجسدها، بحاجة ماسة إلى أهل النخوة والغيرة لحمايتها والذود عن شرفها. كأننا أمام مضارب خيام للحريم، يبذل الشباب الغالي والنفيس لحراستها وصونها. فلا تعود مشكلة مشاعر المرأة وأحاسيسها أو موقعها الاجتماعي، أو حتى رأيها الشخصي بالمسألة، ولا مشكلة مجتمع في تطوير نظم علاقاته، بل مشكلة الرجل نفسه الذي يدافع عن شرف وعِرض المرأة، بعد أن استحالا شرفه وعرضه. بالتالي باتت مشكلة دفاع والاستماتة في الدفاع عن رجولة ذكورية، بعد أن باتت موضوع تآمر غربي خبيث عليها.
المبالغة في التهجم على الممثلة جوانا كركي، وإظهار كلامها على أنه مس بأعراض نسائنا وشرفهن هو مرآة عاكسة لذهنية تختزل المرأة بعفة جسد وطهارة سلوك
المبالغة في التهجم على الممثلة جوانا كركي، وإظهار كلامها على أنه مس بأعراض نسائنا وشرفهن، هو مرآة عاكسة لذهنية تختزل المرأة بعفة جسد وطهارة سلوك، وعفة لباس، لا أكثر من ذلك. فلا تعود المرأة تملك التصريح أو حتى تجرؤ على التصريح، بمن تكون وما تحب أن تكون عليه. فهذه منطقة الرجل وملكيته، والدفاع عنها من مهماته الوجودية والكيانية. ومن لا يفعل ذلك يكون متهماً في نخوته ومروءته. هذا يفسر ضخامة عدد الرجال الغيارى، الذين استنفروا لشرف نساء القوم على وسائل التواصل الاجتماعي، وأطلقوا كما هائلاً من القدح والذم والتجريح، بأسلوب كثيف الانفعال شديد التوتر ملتهب الحماوة، ليثبتوا لأنفسهم والعالم عنفوان ذكوريتهم وفائض رجوليتهم.
المفارقة الأصعب، هي أن يطلق أشاوس حزب الله وكبار القوم منهم، حرب رد الاعتبار للعِرض “المُهان” والشرف “المخدوش”، ويطلقوا جبهة شاملة على كافة الوسائل والمنابر. كأننا أمام تحديد صارم للشرف والعِرض قائم على نظام ثابت ومستقر، في النظرة إلى جسد المرأة والعلاقة معه، وأمام وصاية من حزب الله على هذه القيم، سواء أكان في تحديد الصحيح والمباح منها وغير الصحيح والمباح، أو الدفاع عنها وإدراجها ضمن أغراض المقاومة، التي لا تقتصر على الدفاع عن الأرض، بل يشمل الدفاع الممزوج بدم الشهداء عن “أعراض نسائنا وشرفهن”.
أمام تحديد صارم للشرف والعِرض قائم على نظام ثابت ومستقر في النظرة إلى جسد المرأة والعلاقة معه، وأمام وصاية من حزب الله على هذه القيم
هنا يدخل السياسي بالقيمي والقيمي بالسياسي. فما كان قيمة اجتماعية يفترض بها أن تكون متحركة ومرنة، وأن لا تتخذ صفة جامدة أو تكون على هيئة ثابتة في المجتمع، وأن لا تختزل المرأة الشيعية أو الجنوبية بصورتها النمطية، أصبحت قضية سياسية وهوياتية، ومدرجة على أغراض المواجهة والممانعة الكلية.
بات جسد المرأة موضوع سلطة ونفوذ، ومجال تحكم في الخطاب الإسلامي المعاصر بشقيه السني والشيعي
كان يفترض بالمسألة أن تكون قضية مجتمعية، تقتصر على النقاش العام المفتوح والمنتج والتوعوي، في رفضها وقبولها، في بحث مسوغات التمسك بها وإمكانية تجاوزها. لا أن تكون قصة تَعدٍّ على مضارب نسائنا ومخابئهم، أو يكون التحدث فيها ولو بنحو النكتة، قضية جرمية يعاقب عليها القانون. أن تكون فرصة للتعبير وتداول الآراء، حول الكثير من المفاهيم والقيم المعمول بها في مجتمعنا، بخاصة المتعلقة بالمرأة وجسدها، والتي ما زلنا نتداولها بطريقة بِدائية وقَبَلية وذكورية وأبوية، ولا نتداولها بصفتها قضية مدنية أو إنسانية، أو مساحة تحقق وإثبات ذات للمرأة، ونمط وجود وحياة لها، أو حتى قضية كيف ترى المرأة نفسها وتنظر إلى جسدها. أي كان من المفترض أن تكون المسألة قضية المرأة نفسها لا الرجل، لتتصدر هي المقترحات والرؤى والنقاش والحوار والردود، لا أن تكون مناسبة ثمينة للرجال، في إثبات رجولتهم وشهامتهم ودرجة غيرتهم على أعراضهم، بالتالي تثبيت تحكمهم ومرجعيتهم، في تقرير وتحديد ما يخص المرأة لوحدها.
من جديد، بات جسد المرأة موضوع سلطة ونفوذ، ومجال تحكم في الخطاب الإسلامي المعاصر، بشقيه السني والشيعي. بالتالي ليست صدفة أن يكون حجاب المرأة في إيران قضية هوية وعلامة نجاح أو إخفاق للمشروع الإسلامي، وأن يكون شرف المرأة وعِرضها، وفق تصور مخصوص ومسبق، قضية مبدئية وعقائدية ومدرجة على برنامج حزب الله وضمن مهام سلاحه الممانع، استدعت استنفاراً استثنائياً لجهازه الإعلامي والديني والنيابي في التصدي لها. هي في عمق كلتا الحالتين، إيران ولبنان، قضية إثبات فائض رجولة لا قضية ذود عن شرف وعِرض مهددين.

