لم يعد بالإمكان تفسير أو فهم خطاب أمين عام حزب الله الأخير وفق معطيات لبنان المحلية، أو في اعتباره جزء من استراتيجية لبنان لتحصيل حقه البحري. فمسألة الترسيم بين لبنان وإسرائيل حول مناطق متنازع عليها، مسألة سياسية خالصة، ومرجعيتها القانون الدولي، ووسيلتها في ذلك هي الدبلوماسية والعلاقات الدولية. أي إن نجاح لبنان في انتزاع حقه، ليست مسألة أمنية أو عسكرية، وليست قضية إخضاع أو خضوع، انتصار أو انهزام، بل قضية براعة في إدارة الملف، وشبكة علاقات دولية راسخة وفاعلة، وصدقية دولة في حماية حدودها.
لا شيء من هذه المسارب له صلة بالحرب، أو بالإمكان اعتباره أحد السبل والوسائل أو الخيارات المحتملة لتسوية نزاع حدودي. فالحرب لم تكن يوما سبيلا لتغيير أو تعديل حدود بين بلدين، بحكم أن الحرب ذات طبيعة شاملة، لا تنحصر بحسم مطلب جزئي أو حل خلاف فرعي بين بلدين، بل غرضها كسر إرادة الطرف الآخر وإخضاعه بالكامل وتحقيق انصياع غير مشروط منه. هو أمر يستوجب تعبئة كاملة لموارد الدولتين المتحاربتين لصالح الحرب، وحالة طوارىء وإرجاء تام وطويل الأمد لمجريات الحياة الطبيعية، وتعطيل لعجلة الإنتاج. بالتالي تكون تبعاتها مرهقة وأكلافها باهظة، وأثار الدمار والخراب الناتجة عنها أعلى بكثير من أهدافها وغاياتها، أو من منافع استرجاع حقل غاز أو نفط، الأمر الذي يمنع أية دولة من اللجوء إلى خيار الحرب لفض مشكلة حدودية.
لا تخلو دولتين متجاورتين في العالم من خلاف حدودي بينها، سواء أكانت عدوة أم صديقة، ورغم ذلك لا تجد دولة تعتمد الحرب خياراً
لهذا السبب، لا تخلو دولتين متجاورتين في العالم من خلاف حدودي بينها، سواء أكانت عدوة أم صديقة، ويستمر الخلاف بينها لعقود وتبقى القضية عالقة لزمن طويل من دون أي أفق حل لها، ورغم ذلك لا تجد دولة تعتمد الحرب خياراً أو وسيلة لكسر الجمود أو انتزاع الاعتراف أو التنازل من الطرف الآخر بهذا الحق، بحكم أن الحرب توسع دائرة الخلاف والنزاع، ولا تعود تقتصر على قضية الخلاف حول مساحة اراض أو مورد طبيعي، بل تحول الحرب مطلب الحدود تفصيلا تافها، وقد يختفي في حماوة الصراع بعد أن يأخذ الخلاف وضعية مواجهة شاملة، يسعى فيها المتصارعون لتدمير وشل أو حتى إبادة وإنهاء الطرف الآخر.
أمثلة ذلك كثيرة، نذكر منها الأقرب جغرافياً إلى لبنان: إقليم الاسكندرون الذي كان تابعا لولاية حلب وضمته تركيا منذ أكثر من قرن إليها، الجولان السوري المحتل من إسرائيل ومع ذلك تؤثر سوريا الخيار السلمي لاسترجاعه لا الحربي، الجزر الإماراتية الثلاث المحتلة من إيران ومع ذلك تسلك الإمارات الطريق الدبلوماسي لاسترجاعها، أزمة الحدود بين باكستان والهند التي بقيت عالقة بخاصة منطقة كشمير رغم حصول أكثر من حرب بين البلدين، القضية الفلسطينية نفسها عموما التي آثرت سلوك الطريق الدبلوماسية والنضال السياسي بعدما وجدت عطب الخيار المسلح، أزمة ترسيم الحدود بين الجزائر والمغرب حول الصحراء الغربية، إقليم عربستان الذي احتلته إيران منذ أكثر من قرن، الحدود بين السودان وجنوب السودان، الخلاف حول جبل طارق بين اسبانيا وبريطانيا، مزارع شبعا التي هي موضع نزاع بين لبنان من جهة وسوريا وإسرائيل من جهة أخرى، بحكم أن لبنان لم ينتزع اعترافاً رسمياً بحقه في شبعا من الدولتين معاً.
الملف البحري في لبنان ليس ملفاً لانتزاع أرض محتلة، بل هو ملف تسوية خلاف حول ترسيم حدود
الملف البحري في لبنان ليس ملفاً لانتزاع أرض محتلة، بل هو ملف تسوية خلاف حول ترسيم حدود. أي هو ملف خلاف حول حدود سيادية بين بلدين وليس ملف استرجاع أرض محتلة أو مغتضبة. هذا الأمر يخرج الخيار الحربي أو حروب الاستنزاف من الخيارات المحتملة للدول في حسم قضية حدودها، ويدفعها إلى تعبئة موارد قوة وتفوق غير حربيتين لتحسين شروطها، بحكم أن طريق فض النزاع الحدودي هو الاحتكام إلى مرجعيات قانونية وبيانات علمية، إضافة إلى اعتماد وسيط بين البلدين، الذي هو الولايات المتحدة الأمريكية في ملف لبنان البحري، حيث كانت وساطة الولايات المتحدة مطلباً وحاجة لبنانيين أكثر منه لدى الطرف الإسرائيلي.
الخلاف الحدودي بين بلدين، يخرجه من أن يكون موضوع مقاومة من الأساس، أي هو خارج تخصصاً لا تخصيصاً
الخلاف الحدودي بين بلدين، يخرجه من أن يكون موضوع مقاومة من الأساس، أي هو خارج تخصصاً لا تخصيصاً. فالمقاومة في أبسط تعريفاتها مبادرة شعب، في حال ضعف الدولة أو انهيارها، لمقاومة محتل أو استرجاع أرض مغتصبة. هذا التعريف لا ينطبق على الملف البحري، أي ليس مجالاً لأية مقاومة، بحكم أنه خلاف بين بلدين حول ترسيم حدود وليس معركة استرجاع حق أو أراض مغتصبة، وهو نزاع بين أمتين أو شعبين أو دولتين ذات سيادة، وليس مثلما يريده حزب الله في لبنان: نزاعاً بين دولة وشعب بلا دولة، أو صراعاً بين دولة وحزب داخل دولة أخرى، أو مواجهة بين شعب في أمة وجزء من شعب في أمة أخرى.
حين يدخل نصر الله على خط مفاوضات الملف البحري، ويضع مهلة زمنية قصيرة لحل المفاوضات وإلا الحرب، أو يرى الحرب أولى من التجويع، هو إضافة إلى كونه تعمية على كثير من حقائق شراكته العميقة في عمليات الفساد والنهب، التي كانت وراء الفقر والتجويع في لبنان، وإضافة إلى كونه قفزاً فوق بديهيات معنى الدولة ومرجعيتها وسيادتها، وإضافة إلى تنكره لكل أعراف المفاوضات وقواعدها الدبلوماسية، إضافة إلى كل ذلك، فإن كلام نصر الله دخول دخيل على مفاوضات الدولة اللبنانية، ومسعى منه لربط الملف البحري بسياقات ونزاعات ومشكلات لا علاقة لها بالترسيم البحري بين لبنان وإسرائيل. بل هو مسعى منه لا ليكون لحزب الله القول الأخير في ملف الترسيم فحسب، بل لانتزاع الملف البحري بالكامل من الدولة، وخلق سياق ومسار آخر له، ووضع شروط تفاوضية جديدة يسهل معها ضم الملف البحري إلى مناطق الإشتباك بين إيران والعالم بأسره. هو كلام أوَّلي سيعقبه من نصر الله كلام تصعيدي لاحق، وبيانات توضيحية وتوكيدية تجعل إيران مفتاح الحل في الملف البحري اللبناني، ليكون بذلك ملفاً نووياً ترتبط سخونته وبرودته بدرجات تخصيب اليورانيوم، في مفاعلات نطنز وبوشهر وأصفهان وقم وأراك وأنارك وبارشين وغيرها.
هو كلام أوَّلي سيعقبه من نصر الله كلام تصعيدي لاحق، وبيانات توضيحية وتوكيدية تجعل إيران مفتاح الحل في الملف البحري اللبناني
تَعوَّدنا أن تحمل تهديدات نصر الله ضد إسرائيل رسائل ضمنية إلى الداخل اللبناني، بأن حزب الله صاحب القول والكلمة الأخيرة في صناعة القرار الداخلي. لكن هذا الأمر بات مفروغاً منه ومن باب بديهيات الحياة السياسية في لبنان، منذ أن أُبرم اتفاق الدوحة، وجيء بعون رئيساً من خارج اللعبة البرلمانية، ومنذ أن باتت الحكومة وصناعتها صناعة ومونتاجاً حزب اللهياً. باتت تهديدات نصر الله الأخيرة ضد إسرائيل، بهذه اللغة والوتيرة، موجهة إلى الخارج، إلى كل من له صلة بملف لبنان البحري: أنا مرجعية هذا الملف، وأنا من يشع شروط وقواعد المفاوضات، وأنا الجهة الحصرية التي ينبغي لكم التفاوض معها، لسبب بسيط وهو أن قرار الحرب والسلم في يدي وحدي.
من جديد فإن مشكلة لبنان الجوهرية هي: أن يكون لديه دولة أو لا يكون.

