أرمن لبنان من «حزب السلطة» إلى ضفاف الانقسامات السياسية!

الارمن لبنان

من منطقة برج حمود، في المتن شمال بيروت، ومن بعض مناطق العاصمة و«دساكرها»، إلى زحلة شرق لبنان وجوارها عنجر التاريخية، حكاية لبنانية بنكهة أرمنية، تعود إلى ما قبل 100 عام حين لجأ إلى بلاد الأرز جمهرة من الأرمن فروا من المذابح، ثم اندمجوا في المجتمع المضيف وصاروا لبنانيين أباً عن جد، وواحدةً من فسيفساء الوطن المرصّع بالتعددية في لوحةِ تَعايُشٍ جميلة، غالباً ما تشكل «الوجه الحلو» للبنان.

بعلاماتٌ فارقة في الفن والسياسة والمجتمع والميادين العامة ميّزتْ اللبنانيين الأرمن أو الأرمن اللبنانيين. مهاراتٌ ووطنيةٌ وعِلْمٌ وحداثة و… انتخابات. هكذا هو حالهم كسائر مكوّنات الشعب اللبناني قبل أن «تقبض» عليه واحدةٌ من أعنف وأخبث وأسوأ أزمات العصر حيث تتكاتف على الوطن الصغير مجموعة مآزق قلّما شهدتها مجتمعات أخرى «دفعة واحدة» كما هو حال اللبنانيين الذين يتأهبون لإنتخابات نيابية في 15 مايو المقبل، كأنها واحدة من فرص الخلاص.

ومع كل إنتخابات يُسلط الضوء على برج حمود، وبيروت وعنجر وزحلة. حيث الثقل الانتخابي للأرمن وأحزابهم الطاشناق والهانشاك والرامغافار.

كان الإتفاق الأرمني الداخلي يقضي بإبقاء صراعات أحزابهم خارج إطار المناكفات السياسية العامة فكان إنتخاب نواب الأرمن يتمّ عبر هذه الأحزاب

الناخبون الأرمن هم لبنانيون منذ الإبادة الأرمنية واللجوء إلى لبنان، وأصبحوا جزءاً أساسياً من النسيج الإجتماعي والسياسي مع إنتخاب أول أرمني في البرلمان عام 1922، فأصبح ثقلُهم الإجتماعي – السياسي تدريجاً، ولا سيما بعد الحرب، ثقلاً إنتخابياً مميزاً وسط خريطة الناخبين بحسب تَوَزُّعهم الطائفي والسياسي.

الأرمن عادة هم حزب السلطة الذي يقف إلى جانب الدولة، لأنهم اعتبروا منذ مجيئهم إلى لبنان، الذي إستقبلهم قبل مئة عام وأكثر، ان عليهم واجب الوقوف إلى جانب النظام وليس إلى جانب الأحزاب والإنخراط في صراعاتها، فلا ينحازون إلى قضية غير قضيتهم الأم، وإنتمائهم إلى لبنان الدولة الواحدة. وسعوا خلال الحرب إلى الإبقاء على هذا الطابع المميز، لكنهم لم ينجحوا في ترْك الحرب خارج دارهم، فمنهم مَن التحق بالأحزاب اليمينية ومنهم مَن تَهَجَّرَ ومنهم مَن حافظ على إنتمائه للأحزاب الأرمنية حصراً، ومنهم مَن غادر لبنان. هذه اللوحة الإجتماعية ضرورية لفهم التركيبة الأرمنية وخيارات أحزابها في الإنتخابات النيابية.

كان النائب خاتشيك بابيكيان أحد أبرز المشرِّعين وأكثرهم تألُّقاً في لبنان. نائب أرمني لبناني، من النواب الضليعين باللغة العربية، كان خطيباً مفوّهاً ومتحدّثاً لامعاً، ولعب دوراً بارزاً في الحياة البرلمانية، وظل مع رفاقه قبل الحرب يمثّل إنحياز الأرمن إلى النظام اللبناني وإلى الوفاق مع كل القوى السياسية.

لكن زمن بابكيان ولىّ. وأصبح النواب الأرمن اليوم يدورون في فلك الأحزاب ويتموْضعون على ضفاف الإنقسامات في البلاد. فضلاً عن التأثيرات التي لحقت بهم بفعل الوضع في المنطقة ولا سيما في سورية. فالعلاقة مع دمشق صارت خياراً ثابتاً مع تَصَدُّر حزب الطاشناق القيادة الأرمنية لسنوات.

كان الإتفاق الأرمني الداخلي يقضي بإبقاء صراعات أحزابهم خارج إطار المناكفات السياسية العامة فكان إنتخاب نواب الأرمن يتمّ عبر هذه الأحزاب من دون خروج صراعاتها الحزبية الداخلية إلى العلن.

في البدء كانت بيروت، حيث إنتشار الأرمن الأرثوذكس في شكل كبير. وشكّل المتن قاعدةً إنتخابيةً صلبةً للأرمن، حيث الوجود الإجتماعي والإقتصادي والمالي. وفي الدورات الإنتخابية بعد الحرب، ومع النظام الأكثري، أصبح للأرمن رمزية مردّها إلى حجم تأثيرهم من خلال التصويت كبلوك إنتخابي في صناديق الإقتراع. ومن هنا تحوّلت الكتلة الأرمنية الناخبة حاجة للمرشحين في بيروت الأولى والمتن وزحلة، و«بيضة القبان» في التحالفات.

حافظتْ القياداتُ الأرمنية الحزبية على علاقات جيدة مع القوى الأساسية بعد الحرب، إلا ان الرئيس الراحل رفيق الحريري إستطاع كسْب الأرمن إلى جانبه في بيروت، وكذلك فعل النائب الراحل ميشال المر في المتن. علماً أن أول إنتخابات بعد الحرب (جرت عام 1992) لم يلتزم فيها الأرمن المقاطعة كما فعل سائر المسيحيين. وفي الدورات اللاحقة تركّز أكثر فأكثر دور الأرمن إلى جانب الحريري والمر.

في نظام الإقتراع الأكثري الذي كان معمولاً به حينها، شكّل الأرمن رافعةً ومركزَ إستقطابٍ للأصوات التي تصبّ في لائحة واحدة. وبرز الطاشناق أكثر فأكثر قوةً إنتخابية، وتحوّل حزب السلطة التي كانت إلى جانب سورية. هكذا نجح المر في المتن في إستقطاب الأصوات الأرمنية إلى جانبه فكانت عَصَبَ لائحته على مدى الدورات المتتالية. وكذلك فعل الحريري في دائرة بيروت الثانية.

إستمرّ الأرمن في التموْضع إلى جانب النظام، لكن وقوف الطاشناق إلى جانب السلطة الموالية بدورها لسورية أعطى للحزب ولأول مرة طابعاً لم يكن متعارفاً عليه سابقاً.

وتَكَرَّسَ هذا الإختلاف في النظرة إلى الدور الأرمني مع إغتيال الرئيس رفيق الحريري وإنشطار البلاد إلى معسكريْن… حينها وقف النواب الأرمن من غير الطاشناق إلى جانب «14 مارس» فيما إفترق الطاشناق بوقوفه إلى جانب قوى «8 مارس».

إنتُخب النائب آغوب بقرادونيان نائباً في دورة عام 2005، وما زال الأمين العالم لحزب الطاشناق مرشح الأرمن الأرثوذكس والطاشناق. لكن المتغيّرات لحقت بالأرمن، بفعل عوامل عدة.

فقد سُجِّل تَراجُع في عدد الناخبين الأرثوذكس لا سيما في بيروت الأولى نتيجة الهجرة، وهو ما إنعكس في شكل واضح في قواعد الناخبين. إضافة إلى ان القانون النسبي والأكثري الذي إعتُمد في دورة عام 2018 وسيُعتمد في إستحقاق مايو المقبل، سحب من يد الأرمن ورقة الرافعة القوية للائحة. إذ أصبحوا في حاجة إلى تحالفات تؤمن لهم الحواصل في بيروت والمتن وزحلة.

إقرأ أيضاً: بالصور: الاعتداء على دورية لليونيفيل في بليدا.. وحزب الله يوضح

بعد عام 2005، أصبح الطاشناق أكثر تعبيراً عن حال تحالف الأقليات في المنطقة، وصار إصطفافه واضحاً، سواء في العلاقة مع سورية أو مع قوى «8 مارس» و«حزب الله».

في المقابل تَكَرَّسَ دور نواب أرمن في أحزاب المعارضة. ومع إنتخابات عام 2018، ومع فوز النائبة المستقلة بولا يعقوبيان في بيروت الأولى وتحقيقها خرقاً إنتخابياً، تحاول إنتزاعه مجدداً في الإنتخابات المقبلة، إضافة إلى بروز مرشحين أرمن من المعارضة، بدأ الطاشناق حملة إستنفار عالية.

ومع الإعداد لإنتخابات المتن وزحلة وبيروت، صارت خياراتُ الطاشناق ضيّقة أكثر، في ظل الخلافات التي تعيشها أحزاب السلطة. وضاعف من همومه محاولةُ تحصين الوضع الأرمني الداخلي بحيث لا تكثر الخروق من خارج الطاشناق، إضافة إلى محاولة التوفيق بين خيارات قديمة، وخيارات تفرضها مصلحة التحالف من ضمن قوى «8 مارس».

مع كل إنتخابات يُسلط الضوء على برج حمود وبيروت وعنجر وزحلة حيث الثقل الانتخابي للأرمن وأحزابهم الطاشناق والهانشاك والرامغافار.

تحالف الطاشناق مع «التيار الوطني الحر» برئاسة النائب جبران باسيل في زحلة وبيروت الأولى، لكنه تحالف مع ميشال الياس المر في المتن. والتحالفان مرتبطان بنوعية قانون الإنتخاب وحيثية تأمين الحاصل الإنتخابي نسبةً إلى عدد المقاعد. في المقابل تحاول قوى المعارضة تحقيق خرق واضح في صفوف الأرمن بإعادة تفعيل الوجود الأرمني المعارض من خلال تحالفات تعقدها «القوات اللبنانية» وحزب الكتائب إضافة إلى قوى المجتمع المدني.

لا شك ان الطاشناق ما زال يتمتع بحضور قوي وبنوع من الحماية تؤمّنها له الكنيسة الأرمنية الأرثوذكسية، لكن بين القانون المزدوج (نسبي وأكثري) وبين بدء إرتفاع أصوات من خارج النادي السياسي الأرمني التقليدي، يمكن النظر إلى إستحقاق 15 مايو على انه أساسي في تظهير خريطة التوزع السياسي الأرمني، وكسر إحتكار صوت الحزب الواحد.

السابق
لبنان يستذكر من قلب «جحيم» الانهيار ذكرى «الحرب الجهنمية»!
التالي
هل يُراد تحجيم جنبلاط بـ «7 أيار» انتخابية؟