يتسارع الحراك الدبلوماسي المحيط بملف التسوية في لبنان وسط قراءات متباينة لنتائج القمة التاريخية التي جمعت الرئيسين الأميركي دونالد ترامب واللبناني العماد جوزاف عون في واشنطن.
وفيما تتجه الأنظار إلى العاصمة بيروت بانتظار ترجمة التعهدات الدولية، تبرز في الواجهة مواقف متبادلة تكشف طبيعة الدور المطلوب إقليمياً ومحلياً من رئيس مجلس النواب نبيه بري، والحدود الفاصلة بين الحفاوة الشكلية والالتزامات الميدانية على الأرض.
دعوة لبري كـ«قناة خلفية فعالة»
في قراءة لافتة لخلفيات الموقف الأميركي تجاه رئيس البرلمان اللبناني، كشف مصدر قريب من البيت الأبيض لصحيفة «نداء الوطن» أن اللفتة الإيجابية التي أبداها الرئيسان عون وترامب تجاه الرئيس نبيه بري تحمل أبعاداً سياسية محددة، محذراً من تفسيرها بشكل خاطئ.
وأوضح المصدر النقاط التالية:
- لا غطاء للعرقلة: شدد المصدر على أن هذه اللفتة يجب ألا تُفهم بأي شكل من الأشكال في إطار الموافقة أو توفير غطاء سياسي لسياسات العرقلة التي ينتهجها «حزب الله»، أو لمواقفه الرافضة لمسار المفاوضات القائم.
- قناة سياسية خلفية: أكد أن الموقف الأميركي يمثل في جوهره دعوة مباشرة لبري ليكون قناة سياسية خلفية فعالة ونشطة، بهدف العمل والضغط في سبيل التوصل إلى حل دائم ومستقر مع إسرائيل.
وتأتي هذه المعطيات بالتزامن مع ما كشفته مصادر دبلوماسية بارزة، أمس، عن احتمال قيام وزير الخارجية الأميركي بزيارة رسمية مرتقبة إلى لبنان، حيث من المتوقع أن تشمل أجندة زيارته لقاءً مباشراً مع الرئيس نبيه بري لمناقشة آليات تنفيذ «اتفاق الإطار»، وبحث الضمانات الأميركية المطلوبة لدفع مسار التهدئة، مما ينقل الدور الأميركي من مرحلة الرسائل عن بُعد إلى مرحلة المتابعة التنفيذية المباشرة.
ثانياً: رد بري.. «العبرة في نتائج الميدان لا في الشكل»
على المقلب الآخر، رسم رئيس مجلس النواب نبيه بري حدود الموقف اللبناني بوضوح، مؤكداً في تصريحات لصحيفة «الشرق الأوسط» أن المحك الأساسي لما بعد قمة واشنطن يتوقف بالكامل على «النتائج على أرض الواقع، وليس على الشكل الذي ظهرت به القمة فقط».
وانتقد بري البطء الشديد والتجاوزات المستمرة في الملفات الميدانية، مستعرضاً الوقائع التالية:
- تثبيت وقف النار والانسحابات: اعتبر بري أن العبرة الحقيقية تكمن في التثبيت الفعلي لوقف إطلاق النار وإنجاز الانسحابات الإسرائيلية الكاملة، وهو ما أكد أنه لم يتحقق بالشكل المطلوب حتى الآن.
- النموذج المبتور لبلدة زوطر الغربية: وصف بري الانسحاب الإسرائيلي الذي نُفذ من بلدة زوطر الغربية يوم الاثنين الماضي بأنه «بالكاد يعد انسحاباً»، موضحاً أن البلدة صغيرة جداً ولم تكن محتلة بالكامل من الأساس.
- استمرار الانتهاكات والتفجير: حذر رئيس المجلس من استمرار ما وصفها بـ«عمليات التفجير الإجرامية» التي تنفذها القوات الإسرائيلية بحق المنازل والأحياء المدنية والبنى التحتية، فضلاً عن الاعتداءات المتواصلة على الأهالي عند أطراف القرى المحتلة.
وجدد بري مقولته السابقة للتأكيد على رهانه المرتبط بالإنجاز الملموس قائلاً: «أنا قلت سابقاً قوموا بإنجازات وحطو على عيني… وهو ما لم يحصل بعد»، معتبراً أن نجاح القمة اللبنانية الأميركية مرتبط حصراً بتحقيق هذه الخطوات على الأرض.
ترامب يفهمني أكثر من اللبنانيين
وفي تعليق اتسم بالمرونة السياسية والذكاء الدبلوماسي، رداً على سؤال حول كلام الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي توقع فيه أن ينضم بري إلى مسار التسوية فور رؤيته للتقدم الذي سيحققه الاتفاق، علق رئيس المجلس ضاحكاً بالقول: «يبدو أن ترامب يفهمني أكثر من اللبنانيين».
وتكشف هذه التقاطعات السياسية عن مرحلة مفاوضات معقدة تخوضها ديبلوماسية «الأقنية الخلفية». وبين رغبة واشنطن في إشراك بري كعراب محلي لضبط إيقاع الساحة والتمهيد لزيارة وزير خارجيتها، وبين إصرار بري على ربط أي موقف سياسي بتقدم ميداني حقيقي يوقف التفجيرات ويثبت الانسحاب، يبقى الجنوب اللبناني ساحة الاختبار الحقيقية التي ستحدد ما إذا كانت تفاهمات واشنطن ستتحول إلى واقع مستدام أم ستصطدم بشياطين التفاصيل الميدانية.

