تتوالى الجرائم في لبنان، حتى باتت تكاد تكون يومية، فبعد جريمة “المغارة” التي أودت بحياة أم وبناتها الثلاث في بلدة أنصار الجنوبية، جريمة جديدة سُجِّلت في النبطية حيث قَتَلت أم سورية مولودها ورمته من مكان مرتفع، لتنهش الحيوانات جسده الطري، وقبلها في عكار جريمة ذهبت ضحيتها إمرأة على يد شقيق زوجها بسبب خلاف عقاري، وقبلها العثور على جثة شاب في مدينة صور.
يجري هذا في بلد يتلهى فيه المسؤولون بالمناكفة فيما بينهم، عبر مسرحيات سياسية “مدروسة”، توحي بخلافات فيما بينهم، على الحلول للمشاكل التي أوقعوا فيها البلاد والعباد، بالتضامن والتكافل فيما بينهم، بحيث باتت هذه المسرحيات مكشوفة للرأي العام، ومملة ومبتذلة من كثرة الإستعمال على مدى ال 30 عاما الماضية.
اقرأ أيضاً: «المواجهة» مع البيطار تنتقل الى الموقوفين في ملف المرفأ!
يتحدثون عن “كابيتال كونترول”، والبلد ينزلق في طريقه السالكة إلى جهنم، بفعل غياب أي “كونترول” عليه، سواء في الأمور السياسية والأمنية، أو الأقتصادية والإجتماعية، ناهيك بالأمور القضائية التي باتت على “كل لسان” و”على عينك يا تاجر”.
في السياسة، مناكفات تصل حد تهديد السلم الأهلي أحياناً، ومن ثم تحالفات إنتخابية من تحت الطاولة وفوقها، من دون أي إحساس بالحرج.
في الإقتصاد سياسات عشوائية ومشاريع قوانين، تقرها الحكومة بإجماع أعضائها الممثلين عبر أحزابهم في المجلس النيابي، فتعود وتسقط في هذا المجلس، نتيجة الخلاف على محاصصة من هنا أو مقايضة من هناك.
تحدثون عن “كابيتال كونترول” والبلد ينزلق في طريقه السالكة إلى جهنم، بفعل غياب أي “كونترول” عليه
في الأمن والقضاء ، بات لكل طائفة وحزب وزعيم، جهاز من الأجهزة الأمنية والقضائية، علناً هذه المرة، دون خجل أو وجل .
في التعليم، أساتذة الجامعة يُضرَبون على يد الأمن أمام أعين طلابهم، والطلاب يقبعون في بيوتهم أمام أعين أهاليهم لا حول لهم ولا قوة، بلا حاضر ولا مستقبل سوى المجهول.
في العسكر، أكثر من 3000 عسكري من كل القطاعات فروا من الخدمة طمعاً بمعاش أفضل ، وعيش أكرم، ومنهم القليل القليل – لحسن الحظ – لجأ للحركات الإرهابية.
في الأمن والقضاء بات لكل طائفة وحزب وزعيم جهاز من الأجهزة الأمنية والقضائية، علناً هذه المرة
في بلد بهذه المواصفات والممارسات ، هل من المستغرب أن يسمع المرء كل يوم بجريمة جديدة؟ في بلد غير طبيعي كهذا البلد فيه دويلات داخل الدولة – بغض النظر عن حجم كل دويلة – وفي مجتمع تفتت إلى مجتمعات، وبات كل مجتمع فيه مأزوماً، أما نتيجة فائض من القوة الشرسة، أو فائض من الحاجة والعوز، أو فائض من الإحباط، علاوة على فائض كبير من “الجهل المقدس”، الذي يجمع بين الغالبية في هذه المجتمعات للأسف، في هكذا بلد ومجتمع، لم تعد الحاجة هي أم الإختراع، كما يقال في البلدان الطبيعية والسوية، بل باتت الحاجة الشديدة، والقوة المفرطة والشرسة، والإحباط المقرون بالعجز، باتوا هم بمثابة أم الجريمة وأبيها وأختها وأخيها، ليس هذا تبريراً للجريمة، بل تفسيراً لما آلت إليه أحوال أناس، تعيش العجز عن التغيير، وفقدت الأمل بغد أفضل، وكذلك وطن دخل مغارة منذ حوالي نصف قرن، ولم يعد يعرف كيف يخرج منها، مغارة ترتكب فيها يومياً عشرات الجرائم بحق الناس والبلد، عبر شعارات براقة من المقاومة والصمود إلى التنمية والتحرير، ومن التغيير والإصلاح إلى السيادة والإستقلال والديمقراطية، مغارة كبيرة أين منها المغارة التي شهدت الجريمة في بلدة أنصار، وأين منها مغارة ” علي بابا ” والأربعين “سياسي” ، الذين تكاثروا هنا وباتوا أكثر من 400، والذين سيُنَصَّب بعضهم أو أكثرهم على الأرجح نواباً للشعب في الإنتخابات المقبلة، ينطقون ويتغنون بإسمه، ويُسبِّحون بحمده، يعدِّدون مزاياه ويطلبون له الرحمة والغفران، كما كان غفوراً معهم، بإعادة إنتخابهم مرة جديدة، كي يكملوا مسيرة “تشييعه” إلى مثواه الأخير، إلى جهنم التي ما تركوا جهداً إلا بذلوه للوصول إليها، فكانت الوعد الوحيد الذي تحقق على أيديهم – للحقيقة والتاريخ – من وعودهم الكثيرة .. وكفى الله السياسيين والشعب شر الوعود.

