ذكرى لقمان سليم… قتلة وجواسيس

لقمان سليم

عامٌ مضى من دون صوته واضاءاته وحفرياته في الوعي اللبناني العام لما يجري في أقبية “الاحتلال الإيراني” وأوكاره. يُفتقَد لقمان سليم، كما هي الحقيقة مفتَقَدة في جريمة تغييبه، وفي كل الجرائم التي سبقتها. معروفٌ أن القتلة تقصّدوا رمزية “كاتم الصوت” كتوقيع على جريمتهم، لأن صوت لقمان كان يؤرّقهم ولا يأبه لفائض قوتهم. معروفٌ كذلك مَن قرّر الاغتيال ومَن أمر عصابة مأجوريه بقتل لبناني مدني يشبه كل لبناني وطني، أيّاً تكن طائفته، ويهجس بأن يكون له وطن يمكن أن يُعاش فيه بكرامة، وأن لا تسود بلده قوّة غاشمة تحتقر القوانين والأعراف الانسانية وتعمّم ثقافة القتل والافلات من العقاب.

يعرف القتلة أن تغييبهم للقمان جعله دائم الحضور ليس في حديقة دارته في حارة حريك، ولا في أصوات أمه سلمى وشقيقته رشا وزوجته مونيكا، ولا في إرثه الفكري الذي وضعهم في قفص الاتهام قبل أن يقتلوه، بل في الوجدان اللبناني الذي بات يختزن جرائمهم اللّاتُحصى ويدينهم ويلعنهم كل يوم.

قُدّر للقمان سليم أن يكون آخر الشهداء في القافلة، لكنه لن يكون الأخير، ما دامت العدالة مفقودة في لبنان، بل مُداسة بأقدام المجرمين. فقتله العلني قبل قتله تحت جنح الظلام، كما قتل مَن سبقوه، صار شاهداً على الاحتضار الطويل لكيانٍ لبناني لم يعرف كيف يبني دولة، وإنما بنى كذبة تنافس الاحتلال الإسرائيلي والاحتلال السوري/ الأسدي ثم الاحتلال الإيراني على استغلالها والتدبّر بها، لكن من دون طائلٍ في نهاية المطاف، وإنْ طال. أثبت لقمان في حياته، كما في غيابه، أنه ضمير وطني لا ينقّب في تاريخ الاغتيالات السياسية فحسب، بل يهدّد أيضاً منظومات الفساد، أما قتلتُه فلم يثبتوا شيئاً غير أنهم مجرمون قذرون مهما حاولوا الاغتسال بالنفاق الديني. في ذكرى غياب لقمان تولد “مؤسسته” التي تثبت أن كاتم الصوت لا يستطيع اسكات صوته.

شاءت الصدفة أن تحلّ ذكرى لقمان وقد اكتشفت الأجهزة الأمنية سبع عشرة شبكة تجسس لبناني لمصلحة العدو الإسرائيلي، لكن أي جهاز لم يتمكّن من طرق باب “حزب الاحتلال” أو حتى من اجراء اتصال هاتفي بحثاً عن قتلة لقمان، أو عن القتلة الذين صوّروا وعمّموا فيديو اغتيال جو بجّاني، أو عن قتلة العقيدين منير أبو رجيلي وجوزف سكاف. انجاز عظيم أن يُكشف جواسيس العدو ويُحاسبوا بموجب القانون، وأن تقوم الاجهزة بعملها حتى لو اعتمدت وسيلتها الإعلامية الخاصة لتعميم الخبر قبل ابلاغ الاعلام الرسمي. لكن ماذا عن “الاحتلال الإيراني” وقد ظهرت للعيان كل موبقاته، أهو عدوٌّ أم صديق، وماذا عن جواسيسه وعن اختراقه كل الأجهزة حتى أعماها عن الجرائم التي ترتكب في حق البلد؟

صدفة أخرى في ذكرى لقمان، إذ لم يكفِ القتلة أن يعرّوا الدولة الواقعة تحت الاحتلال من أي شبهة عدالة في قضائِها، بل أصبحت الدولة هذه لا تتحرّج من ارتياد المحافل العربية والدولية مجرّدة من استقلالها وسيادتها. فمن جهة تدّعي “احترام” القرارات الدولية، وفي المقابل تتغنّى بـ “عجزها” عن الشكوى من أنها تحت احتلال يحميه سلاحٌ غير شرعي يهدّد الأمن والأمان ولا تستطيع حصره في يدها.

السابق
المطارنة الموارنة يدعون للمعالجة الحازمة للأزمة مع الخليج.. وتوفير متطلبات الغذاء للبنانيين
التالي
«قلق فاتيكاني» من إفقار اللبنانيين..وكباش الموازنة يتمدد الى مجلس النواب!