بعد أقل من شهر على تشكيلها ونيلها الثقة في لحظة إقليمية ودولية مواتية – لم تدم طويلا على ما يبدو – بعد فراغ دام حوالي 13 شهر ، دخلت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي في غيبوبة نتيجة “خبطة يد” وزير من “الثنائي المختار” على طاولة مجلس الوزراء، بسبب إصدار مذكرة توقيف بحق الوزير السابق علي حسن خليل من قِبل المحقق العدلي في جريمة تفجير مرفأ بيروت، على خلفية تمنعه عن حضور التحقيقات في هذه الجريمة.
اقرا ايضا: القصة الكاملة لـ«المقاومات» اللبنانية على «مد الوطن».. إختلاف واتفاق ودماء!
ومرة جديدة وُضعت العقدة في المنشار، على عادة هذا “الثنائي” في ممارسة السياسة والسلطة، فأما إقالة المحقق العدلي وأما التعطيل في ممارسة سياسية ترهيبية، كي لا نقول أكثر، بدأت بعد حرب 2006 عندما بدأ الإنقلاب يومها على الدولة، بصورة واضحة وعلنية ودون قفازات بسبب موضوع المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، مدعومة بوهج “الإنتصار الإلهي” الذي حققه حزب الله بصموده في وجه آلة الحرب الصهيونية، والذي تحول بعدها إلى إنتصار على الدولة والمجتمع السياسي في لبنان، جراء الممارسات التي أعقبته وأدت بنا إلى ما نحن عليه اليوم.
على عادة هذا “الثنائي” في ممارسة السياسة والسلطة فأما إقالة المحقق العدلي وأما التعطيل في ممارسة سياسية ترهيبية بدأت بعد حرب 2006
اليوم أيضا وبسبب التحقيق في قضية مرفأ بيروت، تتعطل الحكومة جراء طلب غير دستوري أصلا، ويتعارض مع مبدأ فصل السلطات – بحده الأدنى على الأقل في لبنان – ما يدعو إلى التساؤل عن سبب تحسس هذا المكون السياسي اللبناني الدائم، من قضايا التحقيق والمحاكم المحلية كما الدولية، وكأني به يريد قضاء ومحاكم تكون مفصلة على قياسه، وهو ما يدعو للدهشة والإستغراب لدى أي مراقب محايد وغير لبناني، لأن اللبنانيين لم تعد تثير لديهم هذه التصرفات أي دهشة.
اليوم أيضا وبسبب التحقيق في قضية مرفأ بيروت تتعطل الحكومة جراء طلب غير دستوري أصلا ويتعارض مع مبدأ فصل السلطات
الواقع أن هذا التعليل للتعطيل، الذي كان له تداعيات على الأرض تمثل في أحداث 14 تشرين أول في الطيونة، علاوة على أزمة قرداحي الحالية، كلها مؤشرات تعيدنا إلى السبب الحقيقي لتعطيل تشكيل الحكومة بالأساس، منذ تكليف السفير مصطفى أديب وصولا إلى نجيب ميقاتي، مرورا بسعد الحريري الذي بقي يحاول 9 أشهر وفشل بعد حوالي 18 جلسة مع رئيس الجمهورية في تشكيل حكومة، وكانت الإتهامات من قبل محور حزب الله وواجهاته الإعلامية تنصب على السعودية بأنها سبب التعطيل، ليتأكد اليوم خاصة بعد الأزمة مع السعودية، التي يبدو وكأنها أتت على طبق من ذهب بالنسبة لحزب الله ، والتشدد في رفض إستقالة أو إقالة وزير الإعلام جورج قرداحي، بأن القرار في مكان آخر تماما، وهو ما لم يكن يخفى على أية حال على المراقبين للتطورات الإقليمية، سواء منها التواصل الإيراني – السعودي، أو الأحداث في كل من سوريا والعراق واليمن، المعطوفة على الملف الأكبر وهو محادثات بروكسل وفيينا الخاصة بالملف النووي الإيراني، التي كانت قد شهدت بعض التراخي في أعقاب الإنتخابات الإيرانية من جهة، والتطورات المتسارعة في أفغانستان من جهة أخرى، ما سمح بفترة هدنة قصيرة إستغلها “السمسار الفرنسي” المأزوم هو الآخر، لينفذ منها وينجح في نسج آخر قطبة لتكون حكومة نجيب ميقاتي، التي أطلقنا عليها يومها في مقالة في ” جنوبية ” إسم حكومة “الستاتيكو”، لقناعتنا بأنها لن تكون أكثر من حكومة تصريف أعمال أصيلة، بدل حكومة حسان دياب البائدة.
عادت ملفات المنطقة إلى الحراك والسخونة على الأرض من سوريا إلى العراق حيث نتائج الإنتخابات التي أفرزت مشكلة جديدة
اليوم وقد عادت ملفات المنطقة إلى الحراك والسخونة على الأرض، من سوريا حيث تجدد الغارات الروسية على إدلب والتحركات التركية ضد قوات ” قسد “، إلى العراق حيث نتائج الإنتخابات التي أفرزت مشكلة جديدة، ومحاولة إغتيال نوعية ووقحة لرئيس الوزراء مصطفى الكاظمي عبر المسيرات المفخخة، في تطور خطير يعكس مدى حرية الحركة التي يتمتع بها القتلة، نتيجة سياسة الإفلات من العقاب، بعد تجربة جريمة إغتيال الشهيد رفيق الحريري ورفاقه في لبنان، إلى حرب اليمن حيث يحقق الحوثي “إنتصارات” على الأرض، من مأرب إلى الحديدة مؤخرا، بالرغم من تكثيف غارات التحالف ضده، إلى الإعلان عن إستئناف محادثات فيينا النووية أواخر الشهر الحالي.
في ظل هذه التطورات المتسارعة يبدو أن تعطيل الحكومة ليس صدفة، وأن القضية ليست قضية طارق البيطار أو جورج قرداحي، بل هي كما كانت دائما قضية ربط لبنان بمحاور الصراع في المنطقة، وما قضيتي البيطار وقرداحي إلا لذر الرماد في العيون، والحبكة الداخلية لتبرير هذه السياسات التي تضع لبنان مرة أخرى في ثلاجة الإنتظار، في الوقت الذي لا يملك فيه ترف هذا الإنتظار، والتي لا يجني منها سوى المزيد من الإنهيار الإقتصادي والإجتماعي، في ظل تبخر مدخرات اللبنانيين، وتدهور القيمة الشرائية لمعاشاتهم، ما أدى وسيؤدي إلى تصاعد الإضرابات في كل المجالات، ما سيؤثر حتما على حياة المواطنين اليومية، سواء في تعليمهم أو صحتهم أو معيشتهم، وما التعطيل الذي يضرب الجامعة اللبنانية، ويهدد بدء الدراسة فيها لهذا العام جراء إضراب الأساتذة، سوى غيض من فيض المشاكل التي يتعرض لها اللبنانيون حاضرا ومستقبلا.
يبدو أن تعطيل الحكومة ليس صدفة وأن القضية ليست قضية طارق البيطار أو جورج قرداحي بل هي كما كانت دائما قضية ربط لبنان بمحاور الصراع في المنطقة
كل هذا ويطل علينا أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله، تارة بخطاب ال100 ألف مقاتل، وطورا بإعلانه بأن حزبه هو الأكبر عددا وتنظيما في لبنان، وما هذا إلا ليؤكد لنا بأن حزبه لا يمسك بزمام الأمور في البلد، ويتخذ من قضية البيطار وعدم قدرته على “قبعه” دليلا على ما يقول، وأنهم كغيرهم من الأطراف السياسية الأخرى، إنما يمارسون الصراع السياسي فحسب، من دون أن يفسر لنا كيف لقضية كقضية القاضي البيطار يمكن أن تتابع قضائيا، كما هو حاصل اليوم، بعد أن تم إغراقها بطلبات الرد والرد على الرد، كيف لها أن تعطل حكومة وبلد هو بأمس الحاجة لكل دقيقة عمل، في ظل الأوضاع المأساوية التي يعيشها شعبه، وكيف لمسألة كمسألة الوزير قرداحي، الذي سبَّب أزمة لبلاده مع دولة أخرى بغض النظر عن الأسباب والملابسات المحيطة بالمسألة، كيف يمكن أن يتم التعامل بها بهذه الخفة واللا مسؤولية، في حين أنها مسألة يمكن أن تمس بمصالح حوالي نصف مليون لبناني يعيشون في الخليج العربي، تحت حجج واهية وحديث فارغ عن الكرامة، في موضوع يحدث مثله الكثير بين دول العالم ويتم حله بالطرق الدبلوماسية المعتادة، دون أي إنتقاص من كرامة وسيادة أي بلد.
قد يقول قائل بأن حزب الله ما كان قادرا على القيام بكل ذلك لوحده دون موافقة الآخرين صحيح ولكن ميزان القوى هنا هو الحاسم وهو مختل لصالح حزب الله
المفارقة بأن هاتين المسألتين حلهما في يد “الثنائي” خاصة حزب الله، الذي يقول السيد حسن نصرالله بأنه ليس صحيحا القول بأنه يتحكم بلبنان ومصيره، في حين أنه يعرف هو قبل غيره، من أتى برئيس الجمهورية بعد تعطيل سنتين ونصف، ومن أسقط حكومة سعد الحريري في العام 2011 وكيف، ومن فرض حكومة نجيب ميقاتي الثانية عبر القمصان السود، ومن وضع لبنان في مواجهة العالم العربي عبر التدخل العسكري والأمني، في كل من سوريا والعراق واليمن وغيرها من البلدان، وأخيرا وليس آخرا من فرض إدخال المازوت الإيراني عبر الحدود إلى لبنان، دون موافقة السلطات المختصة.
قد يقول قائل، بأن حزب الله ما كان قادرا على القيام بكل ذلك لوحده دون موافقة الآخرين، صحيح، ولكن ميزان القوى هنا هو الحاسم وهو مختل لصالح حزب الله، وهو ما بدا واضحا وحاسما في كل المحطات الماضية، من أحداث 7 أيار وما تلاها، وهذا طبعا لا يخلي مسؤولية الأطراف الأخرى، عن تهاونها وسوء إدارتها للصراع السياسي.
لبنان بات تحت سيطرة حزب الله الفعلية وإن لم يكن بالكامل ربما بسبب بعض التضارب في المصالح مع بعض الحلفاء
كل هذا في الواقع لا يعني سوى بأن لبنان، بات تحت سيطرة حزب الله الفعلية، وإن لم يكن بالكامل، ربما بسبب بعض التضارب في المصالح مع بعض الحلفاء، أو بسبب بعض من مقاومة سياسية وشعبية، وهنا يأتي دور سياسة التعطيل، بحيث أنه أينما لا يوجد سيطرة فالتعطيل هو الحل، والتعطيل هنا بما هو إستعمال تعسفي للحق في المشاركة بالقرار، إنما يعطي نفس النتيجة ألا وهي السيطرة على القرار، ودائما بفعل موازين القوى على الأرض، وأساليب إستخدام هذه القوى سواء العسكرية أو الأمنية أو الشعبية. بالمقابل نرى هناك إستسلام شبه كامل، لهذا القدر من قبل المسؤولين عن الدولة أولاً، تارة بإسم وأد الفتنة، وأخرى بإسم الحفاظ على العيش المشترك، ومرة بإسم تدوير الزوايا وما أكثرها، وأخرى بإسم الحفاظ على وحدة الحكومة، بينما الحقيقة بأن ما يحرك هؤلاء، ليس سوى مصالح سياسية وحزبية وشخصية لا علاقة لها بمصلحة الوطن والناس، كل يغني على ليلاه، فمنهم من ليلاه منصب، ومنهم من ليلاه وريث، ومنهم من ليلاه منافسة على زعامة، أما الوطن والمواطن فليلاهم قليل من الإستقرار والأمن والأمان، والعيش بكرامة حقيقية عمادها الإكتفاء بدل الحاجة التي هي أم الرذائل، وليس كرامة الشعارات التي لا تسمن ولا تغني من جوع، فليس الكرامة، أن تقف الناس طوابير أمام الأفران والمحطات والأسواق والصيدليات والمستشفيات، للحصول على مبتغاها. لذلك نقول كما قال الرئيس المصري الأسبق أنور السادات قبلاً ، أن أرفعوا أيديكم عن لبنان، ونضيف اليوم عن بلاد العرب أيضاً، ودَعوا الشعوب تقرر مصيرها بأنفسها، عودوا إلى لبنان وأخرجوه من ثلاجة الإنتظار قبل أن تتحول إلى ثلاجة حفظ الموتى، عودوا قبل فوات الأوان، الوقت يضيق والتاريخ لا يرحم.

