قرأت مقالات تعتبر أنّ جبران باسيل كان المنتصر في هذه الجولة. لا، فالمنتصر كان إيران وحزبها المختبئ خلف جبران. الحريري نفسه لم يخسر، بل جبران وإيران قدّما له فرصة العمر ليعود إلى صوابه. هذا مع العلم أنّ ذلك سيكون مستحيلا. هو واحد من هذه السّلطة التي أفشلت البلاد. وهو من الذين يشملهم شعار”كلّن يعني كلّن”. الثّورة لن تنسى.
إقرأ أيضاً: «تفضّل اعتذر».. كواليس اللقاء الأخير بين عون والحريري تستفز قصر بعبدا وتُخرِجه عن صمته!
لبنان الثّورة ربح ولم يخسر ، على الرغم من كلّ ضعف الثّورة وفشلها في إقامة برنامج بديل لإدارة الوطن. لبنان ربح لأنّ الله معه، ويحميه. فلبنان نموذج الرّسالة التي يريد الله أن يحميها. لا أثّق بأنّ الثّورة ستقيم برنامجاً بديلا، فقياداتها التي لا تكلّ من الصّراخ في الشّوارع، بحاجة للتّأهيل من مرض الشّخصنة. لبنان يسير على الخطى الصّحيحة رغماً عن سلطته وعن الأدوات الدّوليّة التي تحركها. فالخلافات بينهم ستسمح لهذا الوطن الصّغير، أن يذهب إلى حيث موقعه كجسر حضاريّ بين الشعوب، وكدولة تماثل سويسرا في أوروبا بحيادها المفيد والذي يخدم البشريّة.
كلّ أركان السلطة هم جبران ثان، ولكن كلّ في طائفته
حتى فرنسا فهي لم تخسر. كانوا يقولون عنها الأمّ الحنون للبنان. لكن من الواضح أنّ السيّد ايمانويل ماكرون لا يرى ذلك. ومن حقّه أن لا يرى سوى مصلحته. السيّد ماكرون يريد تعويم السّلطة، وإعادة التّسويات، وضخّ الأموال لشراء صمت الشّارع اللبناني، ولو على حساب زيادة مديونّة الدّولة وزيادة سرقات السّلطة ونهب الثروات. السيّد ماكرون يهمّه الحضور المسيحي في لبنان طبعا، ولكن يهمّه أيضا الغاز والبترول. لا يهمّ بالنّسبة إليه أن يكون المسيحيّ تحت أقدام إيران. هم في موقع أساسيّ في السلطة وحصّتهم في لبنان محفوظة. هو لايهمّه جبران، ولكن يريد دائما أمثال جبران، لأنّهم يساعدونه في تحقيق أهدافه. كلّ أركان السلطة هم جبران ثان، ولكن كلّ في طائفته. بالطّبع هو يسعى إلى حماية إسلاميّة لهذا الدّور، وليس أفضل من السيّدين وليد جنبلاط وسعد الحريري، وهو لذلك يدفع مصر لمساعدته طالما أنّ السعودية لا تريده.
السيّد ماكرون يعرف الواقع الدّولي وأيضا ألإقليمي، لذلك، هو يسعى عند الأميركيّين، إلى إقناعهم بأنّه قادر على ضمانة أمن إسرائيل، بالإتفاق مع إيران وحزبها وأيضا مع روسيا. فرنسا هي التي أقامت نظام الملالي في إيران، وساعدت الخميني ليعود مظفّراً إلى بلاده. هي وروسيا لا تمانعان من دور إيران في الهلال الشّيعيّ، وتسعيان إلى إقناع أميركا بذلك. هما تقنعان أميركا أنّ أمن إسرائيل سيكون مضمونا، وسيتمّ نزع الصّواريخ الباليستيّة والقنبلة النّوويّة من لبنان وإيران، شرط أن يكون الهلال الشّيعي لإيران بالتعاون معهما. هما يبنيان موقفهما على أساس أنّ الأردن سيكون بديل لبنان، كما تريد الولايات المتّحدة، في حركة التّرانزيت بين العالم والخليج من خلال مرفأ حيفا في إسرائيل. روسيا تستفيد من غاز ونفط سوريا، وتكون الضّمانة لعدم تحوّل سوريا مجدّداً إلى مصدر تهديد لإسرائيل، وربما تدفعها إلى عقد إتّفاق سلام معها. أما فرنسا فتستفيد من غاز ونفط لبنان، وتكون الضّمانة مع قوّات اليونيفيل بحالتها الحاليّة، بحيث لا يشكّل حزب إيران في لبنان أيّ تهديد لها.
فرنسا لا تهمّها العدالة في قضيّة المرفأ. لكنها ستسعى إلى تعويض الضحايا.
فرنسا تهدد أوروبا باللاجئين في لبنان. وتدعمها روسيا التي تمنع عودتهم، وإقامة منطقة آمنة لهم في سوريا. فرنسا لا تمانع بأن تحظى إسرائيل، وكذلك سوريا، بقسم من المياه الإقليميّة في جنوب وشمال لبنان. كما أنّ فرنسا لا تهمّها العدالة في قضيّة المرفأ. لكنها ستسعى إلى تعويض الضحايا.
فرنسا لا يهمّها كيف سيكون مستقبل لبنان. فهي مستعدّة لقبول الفدراليّة والكانتونات الطّائفيّة، وكذلك المؤتمر التّأسيسيّ لإعادة بناء لبنان هيكليّا. هي لا يهمّها جيش لبنان، فهناك جيش بديل جاهز لهذا الغرض، إسمه أشبال المقاومة وأنصارها. أين فلسطين من كلّ ذلك. السيّد ماكرون يضحك. سيّد المقاومة يضحك. إيران تضحك. إسرائيل تضحك، رفاق المقاومة يضحكون. أحزاب 14 يضحكون. كلّهم سيصبحون جيش لبنان القادم لحماية المستعمرين الجدد، حماة إسرائيل.
لا يا سيد ماكرون. نرجوك لا تفكر بهذا التفكير الإستعماريّ في لبنان، فهو لن يمرّ
فرنسا تريد الغاز والبترول من لبنان. أنا لم أسمع أحدا من السياديين يعارض ذلك. فرنسا يمكن أن تستفيد أكثر، إذا تمسّكت بمبادئها في خدمة الديمقراطيّة والحريّات وحقوق الإنسان، وساهمت مع الدّول الحرّة في أوروبا، والولايات المتّحدة، بإنقاذ لبنان من إيران وإيديولوجياتها الظلاميّة، وتحريره من براثنها، وإعادته سيّداً حرا ومستقلا، وتطبيق القرارات الدوليّة، وتفعيل إتّفاقيّة الهدنة، وقبول حياد لبنان. هذا ما يضمن لها ليس الإستفادة من الغاز والبترول فحسب، بل من دوره كقوّة فاعلة في المجموعة الفرنكوفونيّة، وفي المنطقة العربيّة وفي العالم أجمع.
لا يا سيد ماكرون. نرجوك لا تفكر بهذا التفكير الإستعماريّ في لبنان، فهو لن يمرّ. نحن نتطلّع إلى المقرّ البطريركي وقيادة الجيش لنسمع الجواب.

