يستمرُ سؤالٌ يتردد، خلال مدة طالت عشرات الأشهر، من عمر انفجار الازمةِ ومراحلِ تداعياتِها وتفاقمِ خسائرِها، السؤالُ هذا، يسعى لتحديد المسؤول الأول عن كارثة لبنانَ، الاقتصادية والمالية والنقدية، وعن انهيارِ قطاعاته كافة، من خدماتية او تربوية، أو سياحية او صحّية، وعن كساد مواسمه الزراعية وعدم تنافسية منتوجاته الصناعية، وهجرة كفاءته العلمية!… كل طرف يتنصل من مسؤولياته، يلقيها حيثُ كيدُه يدفعه، جاعلا من ذاته مُنقِذا فوق الاتهام، وقديساً من المحرم ان يدان. طُرِحّ السؤالُ قبل الجائحة وانعكاساتها واستمر مطروحاً، ككرة نار يتقاذفها، رؤساءُ المؤسسات الدستورية، وأطرافُ السلطة وأحزابُها جميعاً، كما يتداولُ شوطاتِها وركلاتِها جمعيةُ المصارف ودهانقتُها، و”الحاكمُ بأمر المال”، في المصرف المركزي، اضافة لوزراء في حكومة الدمى، التي يتحدث باسمها د. حسان دياب.
إقرأ ايضاً: حارث سليمان يكتب لـ«جنوبية»: الإثراء من الانهيار… صباحو يا حاج
آخر محاولات الاجابة عن هذا السؤال تولّاها الامينُ العام لحزب الله السيد نصرالله، حين قال ما مَفادُه “أنَّ الأزمةَ سببُها حصارٌ ماليٌ واقتصاديٌ، تُمارسِهُ اميركا بالتحالف مع دول الغرب ودول الخليج العربي”، ولم يَكدْ يَجِفُّ حبرُ كلام السيد، حتى انبرى كترجيعٍ لصداهُ، رئيس الحكومة المحنّطة، الى استدعاء سفراء دول العالم والاقليم الى السراي الحكومي، وذلك لتحميلهم رسالة الى دولهم بنقاط أربع؛
لم يَكدْ يَجِفُّ حبرُ كلام السيد حتى انبرى كترجيعٍ لصداهُ رئيس الحكومة المحنّطة، الى استدعاء سفراء الدول وذلك لتحميلهم رسالة الى دولهم
الاولى ان لبنان ينهار، الثانية ان حصار دولهم هو سبب الانهيار، الثالثة ان هذا الانهيار سيكون تهديدا خطيراً لأمن مجتمعاتهم ودولهم، الرابعة ان مسارعتهم الى انقاذ لبنان وتعويم سلطته، هو أمر ضروري لحماية مجتمعاتهم ودولهم وديموقراطياتهم، واذا تأخروا عن القيام بما يطلب، فالكارثة ستطالهم. هو طلب اغاثة صحيح، لكنه تحذيرٌ ينطوي على تهديد!!! تهديد علني لدول كبرى عالمية واقليمية، تزوّد جيش رئيس الحكومة، بغذائه اليومي… فهل هناك حقًّا حصار على لبنان!؟ وهل أزمة لبنان وتحوّلها الى كارثة، هو فعل اجراءات دولية او عربية ادت الى انفجارها؟ لا حاجة لتعداد الازمات المتعاقبة في كل وزارات الدولة ومؤسساتها، بل يكفي ان نُعطي امثلةً شواهدَ، على الفشل العميم الذي مارسته المنظومة مجتمعة متضامنة، ومنفردة متفردة في كل قطاع او مرفق .ففي وزارة الطاقة على سبيل المثال، لا الحصر يتبدى الفشل والفساد كارثياً في كل جوانب قطاعاتها :
لا حاجة لتعداد الازمات المتعاقبة في كل وزارات الدولة ومؤسساتها بل يكفي ان نُعطي امثلةً شواهدَ على الفشل العميم الذي مارسته المنظومة مجتمعة
• من الخصخصة المافوية لقطاع النفط وتجارة المشتقات النفطية؛ فيول/ مازوت / بنزين/ مصافي
.• الى قطاع الكهرباء بكل جوانب السمسرات والفساد في دفاتر شروط الصفقات، وفي مناقصات معامل الانتاج وفي البواخر المحظية، وفي عقود الصيانة ومقدمي الخدمات واهمال تركيب العدادات، وفي توظيف المحاسيب، واستمرار الهدر الفني والتقني، والعجز المالي، وسرقات الصناديق وأموال الجبايات.• الى قطاع المياه بفروعه الأربعة :
– المؤسسات العامة لمياه الشفة التي تسجل عجوزات وخسارة والتي لا تصل مياهها الى المنازل… – ثم مصلحة مياه الليطاني كهرباء وريّا وتلوّثاً…- الى خطة بناء ستّة سدود مكلفة وفاشلة… وجافة!!- وصولاً لإدارة محطات معالجة مياه الصرف الصحي التي لم تعمل في أي منطقة انشِئت فيها.. وتقدّر الخسائر الفعلية في مجالات وزارة الطاقة وكل الطاقات، بحوالي مئة مليار $ اميركي، لم تساهم الدول المتهمة بالحصار بسرقة دولار واحد منها.•
أما الهدر في قطاع الاتصالات الذي كانت أرباحه السنوية ثابتة فوق مليار ونصف مليار $ سنويا بين سنة ١٩٩٨ وسنة ٢٠٠٧ فقد وصل الى عائد لا تتعدى ارباحه ال ٦٠٠ مليون دولار عند انفجار الازمة سنة ٢٠١٩ ، اما اليوم فيكاد يصبح خاسراً أو مكتفيا بذاته. و اذا ما اضفنا الى ذلك عائدات أسعار المخابرات الدولية التي قامت بقرصنتها احزاب السلطة ونافذيها، فمن المؤكد انه من اصل الخسائر المفوّتة على الخزينة والمقدرة اجمالا ب بأكثر من ٢٠مليار$، فإن الدول المتهمة بالحصار لم تهدر دولاراً واحداً في هذا القطاع أيضا.
• اما في الصندوق المستقل للبلديات والذي موّل قطاع النفايات المنزلية اضافة للاعمال البلدية المختلفة، فقد تحوّلت امواله بمجملها الى صفقات توزع على متعهدي زعماء الاحزاب، بحيث استعملت اموال وممتلكات البلديات، كميزانيات حزبية وعائدات مالٍ سياسي تغطي مصروفات الاحزاب وزعمائها، وعلى الاغلب فليس في قيود “سوكلين” او “لاف جت” او غيرها من متعهدي بلديات الثنائية الحزبية الممانعه، اي مدفوعات لصالح الدول المتهمة بحصار لبنان.نستطيع ان نذهب بعيدا في تعداد القطاعات والممارسات الشاذّة التي ادت الى الكارثة؛ من بناء ادارة عامة للمحاسيب، الى سرقة شركة انترا والاستيلاء على كل مؤسساتها ( MEA كازينو لبنان ، بنك التمويل، انترا فرنسا) الى مجالس “الجنوب” و”الاعمار” و”المهجرين”، الى عمليات استباحة المستشفيات الحكومية، واموال الضمان الاجتماعي، الى ارتكابات الاستيلاء على الاملاك البحرية والنهرية والبلدية، الى جرائم الكسارات والمقالع والمرامل، الى كل السلفات التي فاقمت عجوزات الموازنات المتعاقبة، وراكمت قيمة دين الخزينة العامة، واتاحت للمصارف اقتناص فوائد عالية وغير مبررة على سندات الدين للخزينة اللبنانية، والدول المتهمة بالحصار بريئة من كل هذا براءة الذئب من دم يوسف.
من المرجح إن هذه المنهبة بكل ارتكاباتها وممارساتها، تؤدي الى زيادة مضطردة في عجز الموازنة، والى تفاقم المديونية العامة للدولة، وزيادة كلفة خدمة هذا الدين، لكن على الرغم من سلبية نتائج كل ذلك، فانه لم يكن محتوما، ان يصل لبنان الى انهيار الاقتصاد، وافلاس البلد بقطاعاته الخاصة الاقتصادية والانتاجية منها، فثمة دول كثيرة في العالم تعاني عجزاً في موازناتها الحكومية وتحمل سندات دين عالية الأرقام على خزينتها، ومع ذلك بقي اقتصادها فاعلا وقطاعاتها الانتاجية تعمل وتنمو، لان ميزان مدفوعاتها بقي ايجابياً او متوازناً بشكل تراكمي لسنوات الازمة ومدّة الخروج منها.
لم يكن محتوما ان يصل لبنان الى انهيار الاقتصاد، وافلاس البلد بقطاعاته الخاصة الاقتصادية والانتاجية منها
الخلل الاساسي الحاسم في اتجاه انحدار لبنان نحو الكارثة، كان التلازم الذي نشأ بين تفاقم عجز الموازنات وديون الخزينة وكلفتها من جهة اولى، مع حدوث عجز في ميزان المدفوعات اللبناني بدأ سنة ٢٠١١ وتراكم بشكل سنوي حتى ٢٠١٩، من جهة ثانية، ولم تجد الهندسات المالية سنة ٢٠١٦ الا بإخفاء خطورته وتمويه وجوده.
من المعروف لدى كل مهتم، ان الميزان التجاري في لبنان حمل عجزا دائما على مدى السنين، منذ استقلال لبنان وحتى اليوم، لكن ميزان المدفوعات كان ايجابيا او متوازنا في نفس المدة، ونتيجة لذلك، فإنَّ تراكمَ الفائضِ في ميزان المدفوعات اللبناني منذ تسعينات القرن الماضي، قد أمَدَّ النظام المصرفي بحجم ودائع بلغت ١٨٨ مليار دولار نهاية سنة ٢٠١٨ ، منها حوالي١٢٥ مليارا بالعملة الاجنبية، واتاح للمصارف ان ترفع رساميلها الاسمية الى ٢٣ مليار دولار اضافية… فكيف تكوّن هذا العجز انطلاقا من سنة ٢٠١١ وما هي العوامل التي لعبت دورا في استمراره وتراكمه!؟؟
كيف تكوّن هذا العجز انطلاقا من سنة ٢٠١١ وما هي العوامل التي لعبت دورا في استمراره وتراكمه!؟؟
شكلت الثورة السورية حدثا مفصليا على المستوى الجيوسياسي، بحيث أظهر تدخل حزب الله العسكري في سورية، مع نهاية سنة ٢٠١١ وبداية ٢٠١٢، الاشارة الاولى لاتجاه احداث سورية نحو الحرب الاهلية.وبمعزل عن الخلاف السياسي حول الموقف من نظام الاسد وجرائمه ضد شعبي لبنان وسورية، فان نتائج ادامة نظام الاسد والحرب السورية حملت نتائج اقتصادية مدمرة للاقتصاد اللبناني؛
نتائج ادامة نظام الاسد والحرب السورية حملت نتائج اقتصادية مدمرة للاقتصاد اللبناني
1. اولها انقطاع خط التصدير بين لبنان واسواقه في دول الخليج،
2. استقبال اكثر من مليون ونصف مليون سوري تم تهجيرهم من قراهم، اثر معارك خاضها حزب الله الى جانب قوات النظام والميليشيات الايرانية، مما رفع العجز في الميزان التجاري وزادت مستوردات لبنان لتلبية حاجات استهلاكهم ( المواد الاستهلاكية الأولية التي ازداد حجمها بنسبة 6 إلى 7% سنويًا رغم تردي النمو في الاقتصاد اللبناني / معهد باسل فليحان) .وقدرت خسائر لبنان من جراء النزوح السوري بين سنة ٢٠١١ ولغاية ٢٠١٨. حسب مقال صدر في جريدة النهار للباحث انيس عمر بحوالي ٢٠ مليار$ دولار.
3. بلغ مجموع ما تمّ استيراده الى لبنان ما بين الأعوام 2011 و2019 نحو 183 مليار دولار، في مقابل تصدير ما قيمته 31 مليار عن الفترة نفسها ( حسب مقالة ايفا ابو حيدر جريدة الجمهورية ٢٠ juin٢٠٢٠) ، فيما أعلن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة في مؤتمر صحافي عقده في نهاية نيسان ٢٠٢٠ انّ حوالى 4 مليارات دولار من مجموع ما يستورده لبنان سنوياً ليس بحاجة اليه ( المصدر نفسه) مما يجمع استنزافا لرصيد النظام المصرفي اللبناني من العملات الاجنبية يصل الى حدود ٤٠ مليار دولار خلال عشر سنوات.
4. وصل حجم الاستيراد الى لبنان انطلاقا من سنة ٢٠١٢ الى ٢١ مليار دولار فيما استوفت الجمارك اللبنانية رسوما على المستوردات بنفس قيمة الرسوم المستوفاة يوم كان حجم الاستيراد يبلغ ١٤ مليار دولار، وهذا يحدد حجم الاقتصاد الاسود الموازي الذي اداره حزب الله ب ثلث الاقتصاد الحقيقي، وبما ان الاقتصاد الاسود المقاوم يتمتع بقدرة تنافسية في مواجهة الاقتصاد الشرعي الحقيقي، لانه لا يخضع لرسوم الجمارك ولا لاستيفاء الضريبة على القيمة المضافة (الفارق بين كلفة الاستيراد بشكل شرعي وكلفته في الاقتصاد الموازي على فاتورة المستهلك يتعدى ٣٠% من سعر السلعة المستوردة) فقد حدث ما هو متوقع؛ نمو مطرد للاقتصاد الاسود وتراجع واختناق الاقتصاد الشرعي وقطاعاته التجارية.
تحوّل لبنان الى مصدر شبه وحيد للعملة الاجنبية لتموين الداخل السوري وتمويل استيراد سلع الاستهلاك الاجنبي
5. تحوّل لبنان الى مصدر شبه وحيد للعملة الاجنبية لتموين الداخل السوري وتمويل استيراد سلع الاستهلاك الاجنبية، بعد فقدان النظام سيطرته على ابار النفط ومناجم الفوسفات وانهيار الصادرات الصناعية والزراعية السورية، وقد ظهر ذلك في ارقام مصرف لبنان، حول مضاعفة قيمة مستوردات لبنان من المشتقات النفطية والغاز والطحين والدواء.
6. ثم جاءت ازمة الرهائن في اعزاز، وعمليات الخطف التي جرت في لبنان لرعايا اتراك وعرب، لتقفل الباب امام السياح العرب، ولتدفع المؤسسات السياحية والفندقية وما يواكبها من خدمات مختلفة الى دائرة الضمور والانكماش، ففقد لبنان تدفق حوالي ٤ مليار دولار سنويا كانت تؤمنها السياحة وملحقاتها، كما انعكس ذلك انكماشا في السوق العقارية، وتدنيا في الاستثمارات الخارجية في هذا القطاع.
7. شكلت حرب اليمن وانخراط حزب الله بها، مفصلا جديدا اشد خطورة على علاقة لبنان بدول الخليج العربي، من خطورة انغماسه في حرب الاسد على شعبه، ولم يكن قصف مكة والرياض والصراخ بقبضات مرفوعة ” الموت لآل سعود”، شعاراً يواجه قيادة المملكة العربية السعودية وعائلتها المالكة فقط، بل شكل لحظة افتراق وجداني لكل مواطن خليجي مع لبنان، وحفلت وسائل الاعلام المختلفة في الخليج بردود ساخطة على لبنان بمجمله، كما لمس كل لبناني عامل في السعودية وسائر الدول العربية، اثار التبدل في علاقات مواطني دول الخليج العاديين، مع شعب لبنان وما اطلق عليهم عرب الشمال.
شكلت حرب اليمن مفصلا جديدا اشد خطورة على علاقة لبنان بدول الخليج العربي من خطورة انغماسه في حرب الاسد على شعبه
ان تحويل لبنان بخطى دؤوبة متدرجة ومتراكمة، خلال عقود مديدة، من منتجع العرب وفندقهم ومصيفهم، ومن مشفاهم ومركز عناية صحية بهم، ومن جامعاتهم التي تؤهلهم للاندماج بعالم المعرفة والتقنيات الحديثة، ومن مطبعة كتبهم واشعارهم ومنبر اعلامهم الحر المتعدد، ومنتدى ثقافتهم التي تغتني بالنقد والمقارنة، ومن مرآة للفن والمسرح والنقد الادبي والموسيقى والرقص، ومركزا للموضة والتسوق، وشرفة تطل على الحداثة والمعاصرة، ان موت لبنان هذا وفقدانه كل وظائفه وميزاته التفاضلية، وتحويله الى طاولة تفاوض مع الغرب من قبل نظام الاسد تارة، وصندوق بريد لتبادل الرسائل الملتهبة من قبل ايران تارة اخرى، أو الى متراس ايراني اقليمي، يخوض الحرب نيابة عن غيره، قد جفف فوائض ميزان مدفوعاته، وحوَّلها الى عجوزات متراكمة تبدد جنى عمر شعب بأكمله وترميه في قاع الكارثة.
ينكر السيد نصرالله مساهمته الاساس في صناعة الكارثة وتعميق قاع هاويتها فهو لا يبتكر جديدا فقد سبقه الى ذلك حكام كثر
أن ينكر السيد نصرالله مساهمته الاساس في صناعة الكارثة وتعميق قاع هاويتها، فهو لا يبتكر جديدا، فقد سبقه الى ذلك حكام كثر، اوصلوا شعوبهم الى مصائر بائسة، وتنكروا لمسؤولياتهم عبرالصاق تهمة الكارثة بوجود مؤامرة خارجية.

