“إنجاز” جديد يسجل لهذه السلطة وهذا العهد ، وهو كيفية تحويل وطن إلى مجموعة من الطوابير، التي ولدت للأسف من رحم طابور يكون عادة، “مصنع” لإنتاج تجارب أو تغييرها أو إصلاحها إذا ما أحسن الإختيار، ألا وهو طابور الناس أمام صناديق الإقتراع، وهو الطابور الوحيد المفروض أن يُسمح به في أي دولة تحترم نفسها، وتحت ظل أي سلطة تحترم شعبها ومواطنيها .
في دولتنا وتحت جناح سلطتنا ، بات الوطن مجموعة من الطوابير ، تبدأ بالوقوف في طابور أمام السفارات، ولا تنتهي بالوقوف في طابور الحاجة، التي هي في لبنان أم الذل والإهانة وإستباحة كرامات الناس، وليست أم الإختراع.
إقرأ أيضاً: «أمل» «تركب موجة» الحراك الجنوبي..وطوابير «الإذلال» تتمدد!
في وطننا طوابير درجة أولى مخصصة للبعض من السياسيين ورجال الأعمال والإعلام، وطوابير مخصصة للناس العاديين، إذ أن اللبناني لا يمكن أن يتخلى عن “برستيجه” حتى وهو في طابور العوز، فلكل مقام مقال وطابور . تعالوا معي بداية لنحصي معا طوابير الدرجة الأولى.
طابور أمام السفارة الأميركية… وطابور أمام السفارة الفرنسية…
طابور أمام السفارة السعودية… وطابور أمام سفارة الفاتيكان…
طابور أمام السفارة السورية… وطابور أمام السفارة المصرية…
طابور أمام السفارة الإماراتية… وطابور أمام السفارة القطرية…
السفارة الإيرانية هي من الذكاء لدرجة أن أوكلت “زبائن” طابورها إلى وكيلها الشرعي في لبنان والمنطقة حزب الله، وبذلك تكون قد حافظت على “حياديتها” مع أنها الأكثر تأثيرا في مجرى الأحداث. .
أكثر طابور المحظوظ منهم، الذي أكرمه الله بعقد عمل في الخارج
أما المواطن العادي فله أيضاً أكثر من طابور على عدد أيام الأسبوع، وربما أكثر طابور المحظوظ منهم، الذي أكرمه الله بعقد عمل في الخارج وهو طابور أمام السفارة المعنية طلباً للفيزا، يليه طابور أخير في مطار رفيق الحريري الدولي في صفوف المغادرين، لينجو من بقية طوابير الوطن الذي خدعوه، فربّوه على أنه “قطعة سما” ع الأرض ثاني ما إلا” …
طابور أمام المصارف طمعا بصدقة من ماله يتصدق بها عليه المصرف…
طابور أمام المحطة لتعبئة الوقود للسيارة، كي يصل بها إلى عمله بغياب نقل مشترك محترم ونظيف وحقيقي…
طابور أمام التعاونيات بحثا عن ما تبقى من زيت وأرز وعدس مدعوم من جيبه هو ، على طريقة “من دهنو إقلي لو” …
طابور أمام الملحمة التي لم يعد يزرها إلا في المناسبات، حيث اللحم المدعوم بات حكراً على المحاسيب فبات هناك ناس بلحمة وناس بعظام…
طابور أمام مكاتب الجمعيات والأحزاب طمعا ببطاقة، لا يهم إن كانت على إسم أحد الأئمة أو القديسين أو السياسيين…
طابور أمام الصيدليات لعله الأقل إزدحاما نظراً لندرة الأدوية أو فقدانها …
طوابير “ع مد النظر ما بينشبع منها نظر”، كانت في يوم من الأيام يراها البعض “جنات” كما غنى وديع الصافي
طوابير “ع مد النظر ما بينشبع منها نظر”، كانت في يوم من الأيام يراها البعض “جنات” كما غنى وديع الصافي، عندما كان لبنان يعتبر جامعة ومستشفى ومطبعة وفندق العرب، قبل أن يتحول إلى خندق العرب الوحيد في هذا الشرق، ومن ثم خندق إيراني يمتد من بيروت إلى مأرب مروراً بدمشق وبغداد.
صديقي الظريف قال لي قصة الطابور بلبنان قصة قديمة، من أيام ما سمي ثورة 58 ضد حكم شمعون، كانوا “يحكوا” بالطابور الخامس، المقصود به عملاء العدو الذين يعيثون في الوطن فرقة وخراب، ومن يومها والشباب “مرتاحين على وضعهم” وبات الطابور الخامس هو حبل النجاة بالنسبة لهم، وبات “الشماعة” التي يعلِّقون عليها مشاكلهم وكأنهم “الأبرياء” من دم هذا الصدِّيق الذي أسمه لبنان، فالطابور الخامس تمدد وكبر وبات خمسة طوابير وربما أكثر، يقف فيها اللبناني ذليلا فاقد الحيلة والإرادة، أمام سلطة شرسة وقحة ومجرمة، يلجأ كل طرف من أطرافها ل “إرهاب” أنصاره وأهل ملته، من طغيان الطرف الآخر عليه، يشارك في هذا الإرهاب سياسيون ورجال دين، إعلاميون ورجال مال وأعمال، منظومة متكاملة متحالفة ضمناً في الأهداف، ومختلفة علناً في الأساليب حول من له الحق بالقيادة، والفوز بالحصة الكبرى حسب موازين القوى.
“نجحت” هذه المنظومة في تحويل الوطن، إلى مجموعة من الطوابير
هكذا “نجحت” هذه المنظومة في تحويل الوطن، إلى مجموعة من الطوابير التي يعتبرها البعض منهم، وهم أكبر وأكثر من يتحمل مسؤولية هذا الوضع الذي وصلنا إليه، ونعني به “العهد القوي” وتياره، ومن أتى به وراعيه وولي نعمته السياسي وهو حزب الله، يعتبرها دليل صمود وصبر وبصيرة، وكذلك تصدي للمؤامرة وإنتصار عليها، وحفظاً للكرامة والعنفوان، في خلط عجيب غريب للمصطلحات وتلاعب بمعانيها، فمنذ متى كان الذل والهوان مرادفا للكرامة والعنفوان والعزة، كفى إذلالاً للناس وتدميرا لمعنوياتها ومستقبلها، تحت شعارات لا تسمن ولا تغني من جوع ، وإرحموا أعزاء قومكم قبل فوات الأوان، عسى الله يرحمكم … والتاريخ.

