بالعودة لحسابات الأرقام فإن الشيعة اللبنانيين الذين يحملون الجنسية اللبنانية داخل لبنان وخارجه قد يصل عددهم التقريبي إلى مليوني نسمة من أصل حدود ستة ملايين لبناني داخل لبنان وخارجه يحملون الجنسية اللبنانية، هذا عدا عمن يتحدرون من أصول لبنانية خارج لبنان، فإن عدد هؤلاء يفوق هذا العدد بكثير.
شيعة لبنان خارج”حزب الله”
ولكن لو توقفنا عند عدد مليوني شيعي لبناني داخل لبنان وخارجه ، فإن الأكثرية الساحقة من هؤلاء لا تربطهم بـ”حزب الله” أي رابطة تنظيمية أو أيديولوجية سياسية، فمن ينخرطون داخل لبنان وخارجه في أجهزة “حزب الله” المختلفة من المتفرغين والمتعاقدين الذين يتقاضون رواتب شهرية من الحزب.
هؤلاء قد يصل عددهم إلى قرابة المئة ألف تقريباً، ولو ضممنا عناصر التعبئة العامة غير المتفرغين وغير المتعاقدين مع الحزب والذين أجروا تدريبات عسكرية في صفوف الحزب فهؤلاء قد يبلغ تعدداهم قرابة المئة ألف أيضاً، ولو أضفنا العناصر الكشفية وكبار المسؤولين في الأجهزة المختلفة مع عوائلهم فإن مجموع المنخرطين في تشكيلات “حزب الله” المتنوعة في داخل لبنان وخارجه لا يتجاوز عددهم الربع مليون شخص من رجال ونساء وفتيان وأطفال، أي ما يعادل ثمن تعداد الشيعة اللبنانيين داخل البلد وخارجه، والباقون ليست لهم أي رابطة بالحزب وتشكيلاته ..
التكاذب الإعلامي
في حين يُصرُّ الحزب بالتكاذب الإعلامي أن يوحي بأن أكثر الشيعة بل كل الشيعة هم تحت قراره، وهذا كذب محض تكذبه الوقائع الميدانية، فالأكثرية الساحقة من الشيعة داخل لبنان وخارجه لا توافق على سياسات “حزب الله” الإقليمية وإن كان الكثير منهم قد أيد إخراج “حزب الله” لإسرائيل من مناطق الحدود الجنوبية والتكفيريين من مناطق الحدود الشرقية.
إقرأ ايضاً: روائح فساد مازوت «مافيا الزهراني» تُزكّم أنف «الثنائي»..رغم أنفه!
ولكن هذه الأكثرية الساحقة لا توافق على سياسات الحزب في فكرة الحروب الإقليمية الدائمة، والمقيمون من شيعة لبنان أغلبهم مغلوب على أمرهم بحيث لا يستطيعون التصريح بمعارضتهم لـ”حزب الله” وسياساته لكيلا يكون مصيرهم مصير من عارض من قبل فلقي ألوان التنكيل والتهم بحيث أفسد “حزب الله” عليه حياته الاجتماعية والاقتصادية، بل البعض من هؤلاء المعارضين دفع “حزب الله” الناس للعنهم لكثرة ما روَّج ضدهم من الدعايات القذرة والتهم الباطلة والمفتريات الشيطانية التي يهتز لبعضها عرش الرحمن !
العلامة الامين: لتحييد الشيعة
وأمام كل هذا الواقع ما زال المفتي العلامة السيد علي الأمين منذ أكثر من خمس عشرة سنة يحاول تحييد القسم الأكبر من شيعة لبنان عن تهمة الانتماء لمشروع حزب الله الإقليمي في المنطقة لما في تهمة الانتماء لهذا المشروع من ضرر على مصالح الشيعة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في دول الخليج وفي أوروبا وأمريكا وإفريقيا وفي الداخل اللبناني، وهذا الضرر بات يقينياً بعدما لحق ما لحق هؤلاء من ضرر اقتصادي واجتماعي بسبب الحصار والتضييق الدولي الذي يمارس على لبنان لثني حزب الله عن مشاريعه الإقليمية.
العلامة الامين بتبنِّيه لمبدأ الحياد يبلور صيغة الحياد الشيعي الإيجابي مع الاحتفاظ بمبدأ العداء لإسرائيل
ويأتي اليوم الدور الطليعي للمفتي الأمين في تأييده لفكرة حياد لبنان عن صراعات المنطقة التي أطلقها البطريرك الماروني بشارة الراعي ، وقد ترجم المفتي الأمين تأييده لهذه الفكرة بزيارة البطريرك في مقره الصيفي في الديمان وصرَّح بتبنِّيه لمبدأ الحياد، ليبلور المفتي الأمين صيغة الحياد الشيعي الإيجابي، مع الاحتفاظ بمبدأ العداء لإسرائيل، ولكن من دون توريط شيعة لبنان بمشاريع صراعات لا يقدر لبنان ولا شيعة لبنان على تحمل تبعاتها، في حين لدى أصحاب المشروع في دائرة “حزب الله” لديهم كل الإمكانات التي سخَّرها لهم الداعم الإقليمي، وحتى لدى هؤلاء وطناً بديلاً لو تدمر لبنان على رؤوس أهله وتدمرت مناطق الشيعة على رؤوس ساكنيها.
ورأيناهم قبل حرب تموز 2006 كيف قاموا بتحييد عوائلهم ونسائهم قبل الحرب في الداخل وخارج البلاد، كما رأيناهم كيف قاموا بتأمين الشقق اللائقة والفخمة لعوائلهم ونسائهم بسرعة قياسية بعد الحرب من أموال الدعم الإقليم، وتُرك الكثير من الناس ليبحثوا بأنفسهم عن السكن اللائق حيث اضطر الكثير من المهجرين الشيعة للسكن في مناطق انتهت إلى أولادهم بالضياع والانحراف كنتيجة لعدم قدرتهم على تأمين البيئة اللائقة للسكن بعد انتهاء الحرب !
حتى لا تتكرر المأساة الشيعية!
وهذه صفحة مؤلمة من صفحات ويلات حرب تموز 2006 قليلاً ما يضيء أحد عليها، فحتى لا تتكرر المأساة لا بد من تعزيز فكرة الحياد الشيعي الإيجابي التي يتبناها أكثر الشيعة اللبنانيين الذين يرفضون أن يصادر “حزب الله” قرارهم أو أن يأخذ قرار الدخول في الحروب الإقليمية دون مشورتهم والأخذ برأيهم كما فعل عندما قام بخطف الجنديين الإسرائيليين في تموز 2006 عند الحدود الشمالية وراء الخط الأزرق الذي كان قد التزمه لخمس سنوات قبل عملية الخطف، وقد كان تنفيذه للعملية دون مشورة أحد من شيعة لبنان، وأدخل يومها كل الشيعة في آتون الحرب المدمرة دون أن يكون لهم رأي في قرار السلم والحرب !
ومن هذا المنطلق أتت زيارة المفتي الأمين للديمان حتى لا تتكرر المأساة والمعاناة الشيعية خصوصاً واللبنانية عموماً. فهل من مستجيب ؟

