هذه المرة من السويداء في جنوب سوريا، هو ليس ربيع 2011 بل شتاء 2020، وليس في حوران السهل بل الجبل، شرارة انطلقت اليوم رغم العدد القليل للمشاركين فيها إلا أنها الأولى وسط مشهد الضباب الذي يلف سوريا في المناطق الموالية والتي استرجعها نظام الأسد بالحديد والنار، فإذا ما استفاق الشعب مجدداً، من يرد نار الغضب؟!
الدولار هو الوقود
من جديد يرتفع الدولار في سوريا، هو ليس الهاجس لأن الحكومة تمنع تداوله في البيع والشراء بين المواطنين أصلاً، بل لأنه وقود يشعل أسعار المواد الغذائية كلما ارتفع.
“أم مهاب، 50 عام” من مدينة حمص ذكرت لـ “جنوبية” أنها كلما سألت البائع عن ثمن سلعة معينة لا يجيبها مباشرة، بل يلجأ للآلة الحاسبة ليحسب السعر الجديد على الدولار الذي يرتفع أمام الليرة بشكل غير مسبوق تاريخياً، فلم يكتفِ بملامسة الألف ليرة بل تعداها اليوم الأربعاء إلى رقم قياسي جديد هو 1111 ليرة سورية.
إقرأ أيضاً: مسلسل الانهيار تابع.. الدولار في سوريا تخطى الألف ليرة!
“حيان، 28 عام” من دمشق، يعاني كطالب جامعي يسعى للهجرة من قدرته على تجميع الدولار، حيث العملة الصعبة مفقودة من السوق وحتى تجار الذهب امتنعوا عن البيع والشراء في ظل انهيار العملة.

صرخة احتجاج مباغتة
أمام مبنى المحافظة وسط مدينة السويداء جنوب سوريا اجتمع العشرات ليعبروا عن رفضهم للإهمال الحكومي أمام انهيار الليرة السورية، وكأن الامس أشبه اليوم حين تنكرت بثينة شعبان لضحايا مجزرة درعا في آذار 2011، وها هي تخرج قبل أيام لتنكر وجود أزمة دولار في البلاد، ما دفع بالصفحات الموالية لانتقاد التصريح واعتبار القيادة منفصلة عن الواقع، فبثينة مستشارة الأسد وليست وزيرة في حكومة فاسدة أو عضو برلمان.
وهكذا تداولت صفحات محلية ومواقع إخبارية صوراً للمحتجين في السويداء الذين احتشدوا في أكثر من مدينة للتعبير عن رفضهم للواقع الاقتصادي مرددين شعارات “بدنا نعيش” و “الشعب بدو دولة”.
السويداء.. وضريبة الحياد
لطالما شكلت السويداء في سنوات الثورة مثار حديث المعارضين عن مدى إيمانها بالحراك الشعبي ضد الأسد، والذي عبرت عنه المدينة بشكل سلمي مرات عديدة عبر اعتصامات وحملات إضراب ومظاهرات لم تحمل السلاح، قبل أن تلعب سياسات النظام دورها في دفع جماعات محلية لحمل السلاح لحماية “جبل الدروز” وليس في وجه الأسد.

وبعد مقتل زعيم “رجال الكرامة” الشيخ أبو فهد وحيد البلعوس، خرجت السويداء بشكل شبه كامل عن سيطرة النظام وتحولت الحركة الأكثر تسلحاً في المدينة إلى جماعات منفصلة في صراع محلي على موارد المدينة وطرق التهريب، لتأتي الصفعة الأكبر في صيف 2018 في هجوم قوات “داعش” على شرق المدينة وحدوث مجزرة دموية أعادت خلط الأوراق من جديد، وبدت المدينة وحيدة لا نظام يأبه بها ولا تحالف دولي يطمع في مقدراتها ويتدخل لإنقاذها، ما دفع ضعاف النفوس للتفلت أكثر في حمل السلاح وانتشار حالات الخطف في ظل غياب الأجهزة الأمنية وتحول ليل السويداء إلى حظر تجول من قلق المواطنين الذي ترافق مع شح اقتصادي ولدّ شرارة انفجار جديد.
هل يكون الجوع هو محرك السوريين انطلاقاً من الجنوب في ظل غليان المنطقة من الوضع الاقتصادي الذي أودى بليرة لبنان إلى الانهيار، وفجرّ الاستقرار في العراق؟!

