أميركا وإيران.. سيرة علاقات شائكة من خطف الرهائن إلى إغتيال سليماني !

تبادل سجناء بين اميركا وايران
أربعون عاما جرت خلالها الكثير من المياه تحت جسر العلاقات الأميركية - الإيرانية وشهدت العلاقات بين الجانبين صراعا علنيا تارة وصفقات سرية وإلتقاء وتقاطع مصالح تارة اخرى.

.. من إقتحام السفارة الأميركية في طهران نهاية سبعينيات القرن الماضي، إلى محاولة إقتحام السفارة الأميركية في بغداد الأسبوع الماضي، أربعون عاما جرت خلالها الكثير من المياه تحت جسر العلاقات الأميركية – الإيرانية وشهدت العلاقات بين الجانبين صراعا علنيا تارة وصفقات سرية وإلتقاء وتقاطع مصالح تارة اخرى.

إقتحام السفارة الأميركية في طهران وإحتجاز موظفيها كرهائن جاء على خلفية إتهامهم بالتجسس والتدخل بشؤون إيران الداخلية وهي أزمة دامت 444 يوما تخللها محاولة عسكرية أميركية فاشلة لتحرير الرهائن وكانت ورقة إستخدمتها إيران في الإنتخابات الداخلية الأميركية حين رفضت الإفراج عنهم قبل الإنتخابات بغية إسقاط جيمي كارتر وهكذا كان، فكان أن أفرجت عنهم بعد إتفاق رعته الجزائر بين الجانبين لتطلق سراحهم يوم 20 كانون الثاني عام 1981 وهو يوم تسلم الرئيس الأميركي الجديد يومها رونالد ريغان مهام الرئاسة في البيت الابيض.

كانت الحرب العراقية – الإيرانية في بداياتها وكانت المنطقة تغلي على وقع إتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، أغتيل أنور السادات في مصر، وكان الإجتياح الإسرائيلي للبنان عام 82 الذي كان سجل بداية الدخول الإيراني العلني إلى لبنان عندما دخلت وحدات من الحرس الثوري الإيراني لتدريب بعض  المجموعات المختلفة التي كانت قد إنشقت عن حركة أمل وغيرها من الجماعات المتأثرة بالثورة الإسلامية وتتبع لفكر ولاية الفقيه بهدف مقاومة الإحتلال الإسرائيلي والقوات المتعددة الجنسيات التي كانت قد دخلت لبنان بعد مجازر صبرا وشاتيلا، قبل أن يظهر حزب الله بشكله الحالي إبتداءً من عام 85. أواخر العام 82 بدأت عمليات خطف الرهائن الأجانب في بيروت وأعلنت المسؤولية عنها منظمات كالجهاد الإسلامي وغيرها ثم أتت عملية تدمير مقر المارينز والقوات الفرنسية العاملة ضمن القوات متعددة الجنسيات فقتل المئات من الجنود الأميركيين والفرنسيين يومها، وكذلك تفجير السفارة الأميركية في عين المريسة بعدها وكانت الإتهامات تتجه صوب إيران واتباعها من المنظمات والجماعات الإسلامية التي بدأت تظهر على الساحة اللبنانية فكان الرد أميركيا يومها عبر مجزرة نتجت عن تفجير سيارة مفخخة في منطقة بئر العبد إستهدفت السيد محمد حسين فضل الله الذي كان ينظر إليه على أنه المرشد الروحي لحزب الله الذي كان قد بدأ بالظهور في الضاحية الجنوبية لبيروت مع تطور الأوضاع في لبنان نحو الأسوأ، وكذلك الحرب العراقية – الإيرانية التي كان لها تداعياتها أيضا على الساحة اللبنانية حيث تم تفجير السفارة العراقية ايضا في بيروت من قبل أتباع إيران من العراقيين المعارضين لنظام صدام حسين يومها.

إستمرت عمليات خطف الرهائن الأميركيين والفرنسيين والبريطانيين وبدأت محادثات سرية لإطلاق سراحهم الأمر الذي أثمر الإتفاق – الفضيحة التي سميت فضيحة إيران غيت وكانت تقضي بتزويد إيران بأسلحة أميركية عن طريق إسرائيل لمساعدتها في حربها ضد العراق وإستغلال ثمنها لتمويل عمليات شراء سلاح لمنظمة كونترا المعارضة في نيكاراغوا، مقابل إطلاق سراح الرهائن الغربيين في لبنان .

إستمرت الحرب العراقية – الإيرانية بضراوة وبدأت تأخذ شكل ضرب المنشآت النفطية الإيرانية في الوقت الذي كانت فيه إيران عاجزة عن صد هجمات الطائرات العراقية لإفتقارها إلى سلاح دفاع جوي فكان أن لجأت إلى الألغام البحرية لضرب الناقلات في الخليج لتتطور الامور وتسقط طائرات أميركية طائرة مدنية إيرانية ويذهب ضحيتها حوالي 300 قتيل قبل أن يعلن الخميني قبوله بقرار مجلس الأمن الدولي بوقف الحرب واصفا القرار بـ “تجرع السم”.

إقرأ أيضاً: تناقض إيراني .. الجيش يتمهل و«الحرس» حدد 35 هدفاً أميركياً!

بدأ عقد التسعينيات بالإجتياح العراقي للكويت الذي تبعه تحالف دولي لتحريرها مترافقا مع التطورات في أوروبا الشرقية والإتحاد السوفياتي السابق ومؤتمر مدريد للسلام في مدريد ، هذه التطورات سمحت لإيران بإلتقاط الأنفاس وإعادة بناء نفسها في الوقت الذي كانت الحرب اللبنانية تضع أوزارها أيضاً نتيجة التطورات في الخليج وكان قد أصبح لها في لبنان موطئ قدم مهم عبر حزب الله الذي أصبح بمساعدة سورية الوكيل الوحيد للمقاومة ضد الإحتلال الإسرائيلي بعد أن كان قد تم القضاء على مقاومة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ومقاومة حركة أمل سواء بالإغتيالات التي طالت الكثير من الكوادر أو بالتضييق الميداني وهكذا تم حصر المقاومة بـ”حزب الله”.

في عام 1997 وصل إلى السلطة في إيران الرئيس محمد خاتمي ممثلا للتيار “الإصلاحي” في إيران وبدأ خطابا مغايرا للخطاب السائد والمعروف عن إيران ، بدا خطابه معتدلا داعيا للحوار بين الحضارات والثقافات وأعطى صورة مغايرة كان لها أطيب الاثر عن إيران في الوقت الذي سيطرت فيه حركة طالبان المتشددة في افغانستان حيث لجأ إلى كنفها زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن المطارد أميركيا إلى أن كان يوم الحادي عشر من سبتمبر 2001 وأحداثه الرهيبة التي قلبت العالم رأسا على عقب حيث إجتياح أفغانستان وإسقاط نظام طالبان الذي كان يكن العداء لإيران ، بعدها بأقل من عامين وتحت ذريعة أسلحة الدمار الشامل تم إجتياح العراق وإسقاط نظام صدام حسين ليكون النظام الثاني المعادي لإيران الذي تتخلص منه إيران في غضون عامين وبيد الأميركيين وطبعا عبر التعاون معها لتبدأ مرحلة أقل ما يقال فيها أنها مرحلة إلتقاء وتقاطع المصالح بين الجانبين الذي سمح لإيران بمشاركة أميركا حكم العراق عبر جماعاتها التي دخلت على الدبابة الأميركية، ومن منا ينسى زيارة الرئيس الإيراني” المتشدد” محمود أحمدي نجاد لبغداد تحت الحراب الأميركية، وكانت مرحلة من التعاون الميداني إذا صح التعبير في ظل صراع إعلامي علني خاصة مع حرب تموز 2006 في لبنان وأحداث غزة المتتالية بعدها وصولا إلى الحرب في سوريا التي وقف الطرفان فيها نظريا على الأقل على طرفي نقيض إلى أن ظهرت المنظمات الإسلامية المتطرفة كجبهة النصرة بما هي إمتداد لتنظيم القاعدة ومن بعدها داعش التي برزت بسحر ساحر في العراق لتتمدد إلى سوريا وتقضي على بقية المجموعات المقاتلة والمعارضة للنظام السوري وكأنها ما ولدت وترعرعت إلا لهذا الهدف قبل أن يقوم ضدها تحالف دولي بقيادة أميركا ومساهمة إيرانية ولو من خارج التحالف وكان أن قاسم سليماني كان يقود المعركة مع رجاله في تكريت وغيرها تحت أنظار الطائرات الاميركية، وكان أن مالت الكفة في سوريا لصالح النظام مرة أخرى مع التدخل العسكري الروسي الذي يقال بأن سليماني كان هو من سعى لدى بوتين لإقناعه بهذا التدخل ، وكان قبلها بقليل قد تم توقيع الإتفاق النووي مع أميركا ودول ال 5 + 1 في عهد باراك أوباما الذي يعد العصر الذهبي للعلاقات الأميركية – الإيرانية ولو بشكل غير مباشر، وهكذا ومع إندلاع حرب اليمن التي أوجدت فيها إيران لها موطئ قدم عبر الحوثي، ومع عدم نجاح التحالف العربي في الحسم السريع للمعركة، ومع تطور الأوضاع في لبنان، كل هذا جعل سليماني يتباهى بسيطرته على أربعة عواصم عربية هي بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء لدرجة أن تباهى بعدد النواب اللبنانيين الذين باتوا بنظره يمثلون محور المقاومة الذي هو يمثل رأس حربته.

إقرأ أيضاً: إيران تؤجل «الإنتقام» لسليماني؟.. الجيش يمتنع عن «الرد المتسرع»!

اليوم ومع التطورات المتسارعة منذ مدة في العراق والمنطقة خاصة بعد إنسحاب ترامب من الإتفاق النووي مع إيران وتشديد العقوبات عليها بدأت الصدامات بين الطرفين سواء بالواسطة كما حصل في تفجير السفن قبالة سواحل الإمارات ، أو عبر قصف السعودية ومنشآتها وآخرها وآخطرها هجمات آرامكو، أو مباشرة عبر إسقاط إيران لطائرة التجسس الأميركية الضخمة في الخليج وصولا إلى قصف القاعدة الأميركية مؤخرا في العراق الذي تسبب بالرد الأميركي على مقرات للحشد الشعبي في القائم، ما إستدعى رد الحشد الشعبي عبر الزحف على السفارة الأميركية في بغداد بما تمثله من رمز وأرض أميركية، وإضرام النيران ببعض المنشآت البسيطة داخل حرمها الخارجي وكتابة إسم سليماني على جدرانها الأمر الذي يبدو وكأنه كان القشة التي قصمت ظهر البعير ليتخذ ترامب قراره بتنفيذ حكم الإعدام بقاسم سليماني وأتباعه من قيادات الحشد الشعبي، القرار الذي وضعه موضع التنفيذ فجر يوم أمس الجمعة ووضع المنطقة معه على فوهة بركان ، وبات السؤال مشروعا عما إذا كانت هذه الضربة لإيران مجرد ضربة جزاء عابرة جراء تجاوز سليماني للخط الأحمر، أم أن اللعبة التي كانا يلعبانها سويا على الأرض العربية قد إنتهت وحان الوقت كي تعود إيران إلى داخل حدودها فعلا ، وتتخلى عن مشروعها الذي دفعت الغالي والنفيس في سبيل تحقيقه؟ وهل سترضى إيران وحلفاؤها بالأمر الواقع وهذا شي مستبعد إن لم نقل مستحيل ، وكيف سترد، وأين، وأي مصير ينتظر المنطقة؟ أسئلة عديدة تدور في الخاطر، قد تقدم التطورات في الايام المقبلة بعض الإجابات عليها أو كلها على أمل أن تكون إجابات إيجابية لصالح المنطقة والعالم.
       

السابق
بارود يعتذر عن المشاركة في حكومة دياب!
التالي
الأمين: لا حرب.. والردّ على سليماني بـ«فائض السطوة» على العراق ولبنان!