محاولات حزب الله لاحتكار العمامة الشيعية مستمرة

لأن العمامة الدينية لها ما لها من الهيبة والسلطة الدينية والحضور الاجتماعي والتأثير المعنوي والروحي على الناس بجُلِّ أطيافهم متدينين وغير متدينين، حيث أن الكثير من الناس يميلون إلى الدين بالفطرة، وبالخصوص المسلمون فإن المظهر الديني يأخذ منهم مأخذه من الأسر والسحر، فلهذا المظهر ما له من القدسية والحضور والسمع والطاعة ، وبدون مجادلة في أغلب الأحيان، لكل هذا حاول السياسيون عبر العصور والأزمنة المختلفة استيعاب رجال الدين تحت ظل الحكام الزمنيين ، بحيث يتمكنون من تجيير قوة السلطة الدينية لمصلحة تقوية وتغطية السلطة الزمنية لما لهذه السلطة الدينية من تأثير على مختلف صُعُد الحياة ، سيما الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

جاءت الأحزاب التي ترتدي ثوب الدين لتستغل هذا النفوذ الديني للتحكم بالسلطتين الدينية والزمنية في آنٍ معاً، فأنتجت أكبر عدد ممكن من رجال الدين من مرتدي الزي الديني الذين يصح إطلاق لفظ العلماء على بعضهم، والجهلاء على كثيرين. ومن باب المثال ، في إحدى الدول كان عدد المعممين المتزيين بزي علماء الدين من رجال الدين المخالفين لنظام هذه الدولة من أتباع حركة الإخوان المسلمين، كان عددهم قد تجاوز الخمسة آلآف، وبعد تغير نظام الدولة المذكورة تم تقليص عدد المعميين فيها إلى ما دون المئتين الذين تم اختيارهم من الموالين لنظام الدولة ومنع الباقون من ارتداء الزي الديني لمخالفتهم للنظام. وفي مصر عهد الرئيس جمال عبد الناصر بعد انتصاره على الملكية وإقامته النظام الجمهوري عهد إلى علماء الأزهر الشريف وضع حدٍ لظاهرة التضخم الديني وتوسُّع ظاهرة ارتداء العمامة الدينية من قبل جماعة الإخوان في مصر، لينخفض عدد المتزيين بزي علماء الدين هناك انخفاضاً ملحوظاً. وأما في تركية فبعد قيام الدولة العلمانية على يد مصطفى أتاتورك منع أتاتورك من ارتداء الزي الديني خارج المعابد وذلك في نص القانون العلماني الذي ما زال يحكم البلاد حتى يومنا هذا، ومرَّت مرحلة من الظلمات على المتزيين بالزي الديني وبالعمامة الدينية على يد أتاتورك، حيث تعرض هؤلاء لشتى أنواع القتل والتعذيب باسم العلمانية!

اقرأ أيضاً: العمامة و«الطنجرة» و«حزب الله» ثالثهما!

كما عانى هؤلاء من ظلم الشاهنشاهية في إيران، حتى نُقِل عن أتاتورك أنه التقى شاه إيران رضى بهلوي والد محمد رضى المخلوع على يد الثورة الخمينية، فلما التقاه سأله: “ماذا تصنع أنت بالمشايخ في إيران؟”، فقال بهلوي الأب: “أنا أسجُنُهم”، فقال له أتاتورك: “أنا اقتلهم”.

فقبل الثورة الخمينية في إيران عانى المرتدون للزي الديني من ظلم الشاهنشاهية، ويرى البعض أن هذا الظلم استمر ببعض أشكاله بعد الثورة الخمينية  وامتدَّ هذا الظلم ليتم توريده إلى العديد من الدول الشيعية التي اختلف علماء الدين فيها مع دعاة نظرية ولاية الفقيه العامة…

وفي لبنان، ولكون العمامة الدينية لها ما لها من التأثير والنفوذ والسلطة والقدسية حاول فريق ولاية الفقيه العامة احتكارها بشتى السُّبُل، فمن محاربة علماء الدين الشيعة المخالفين لمبدأ الولاية العامة للفقيه، إلى تكثير عدد المعممين بشكل فاحش من أتباع تيار ولاية الفقيه العامة، إلى حرق كل عمامة لا تؤمن بهذه الولاية بشتى أنواع الدعايات والإشاعات والتهم وكلام السوء الذي يهتز لبعضه عرش الرحمن، إلى منع ارتداء العمامة الدينية في إطار حزب ولاية الفقيه العامة إلا من خلال قرار شخصي من قبل أمينه العام، إلى سد كل القنوات التي تُمَكِّنُ أي طالب علوم دينية حر من مواصلة دراسة العلوم الدينية في الحوزات اللبنانية وفي قم المشرفة وأخيراً إلى حدٍ كبير في النجف الأشرف، إلى محاولة سحق كل من يرتدي العمامة لو أمكن إذا لم يكن حزبياً أو مؤيداً ومناصراً لتيار ولاية الفقيه العامة…

اقرأ أيضاً: «الحركة الإصلاحية الشيعية».. حركة تبحث عن وطن بلا فساد

وكل هذه الأمور يمكن أن يدركها المتتبع بأدنى متابعة ليتعرف على عشرات المعممين من خارج الإطار الحزبي تعرضوا لمثل هذه الأنواع من المواجهات منذ ارتدوا العمامة الدينية، ليتأكَّد بقوة طموح حزب الله لاحتكار العمامة الدينية في لبنان ما أمكنه ذلك ليحقق غاياته السلطوية على كل شيء وصولاً إلى السيطرة المطلقة على كل مقدرات الطائفة الشيعية في لبنان ليُجيِّرها في مشروعه السياسي الذي يخدم بالدرجة الأولى كل السياسات الإيرانية في المنطقة…

آخر تحديث: 7 أغسطس، 2019 6:58 م

مقالات تهمك >>