موسكو ودرس إدلب

فشلت موسكو في الرهان على تعاطي تركي مرن في معركة إدلب يفسح المجال أمامها بتحقيق انتصار عسكري نوعي، تنجح من خلاله في بلورة الصورة النهائية لسوريا الروسية التي تريد فرضها على السوريين وعلى المجتمع الدولي. صدمت موسكو بموقف تركي مختلف جذريا عن مرحلة سابقة أسست لها تفاهمات أستانا سنة 2016 وأدت حينها إلى فرض شروط قاسية على المعارضة السورية الموالية لأنقرة، خصوصا بعد جولة المفاوضات الرابعة في أستانا في حزيران/يونيو 2017، والتي دفعت أعضاء من الوفد السوري المفاوض إلى الاستقالة.

ومن نتائج الموقف التركي حينها، رفض بعض الفصائل المسلحة التوقيع على ما تم الاتفاق عليه في إطار تطبيق خطة وقف التصعيد، فاتهمت أنقره المعارضة حينها بالسلبية نتيجة مطالبتها بالضغط على روسيا والنظام الالتزام بتفاهمات وقعها في درعا والغوطة ومناطق أخرى عاد جيش النظام ودخلها، وكانت من ضمن منطقة خفض التصعيد، كما وجهت تركيا باتهامات صريحة من المعارضة بأنها قامت بدور الوسيط في معركة حلب ولم تكن إلى جانب المعارضة ما أدى إلى خسارتها عاصمة الثورة السورية، وبأن أنقرة سلمت حلب مقابل عفرين.

اقرأ أيضاً: الرسالة – التحدّي لواشنطن.. والبحث عن خيارات مع الحلفاء لحماية الملاحة الدولية!

لكن في إدلب هذه المرة، لم يكن أمام أنقرة إلا خيار واحد لا تستطيع المساومة عليه لأن خسارة إدلب تعني انتكاسة تمس ثوابت الأمن القومي التركي، ما قد يؤدي إلى أزمة سياسية ما بين السلطة السياسية الحاكمة وبين الدولة العميقة، التي لم يزل الجيش التركي، رغم مما تعرضت له بنيته من تغيرات وتحولات في عقيدته القتالية،يمثل عصبها وحامي مصالحها.

لذلك خاضت أنقرة المواجهة ضد موسكو وبقايا جيش النظام إلى جانب المعارضة، ووضعت حدا، ولو مؤقتا، للمخطط الروسي في التوسع شمالا على حساب مصالحها، خصوصا أن موسكو كانت تريد حسما سريعا في هذه المعركة تستثمره سياسيا واستراتيجيا.

بدأت انتكاسة موسكو عندما فشل المخطط الأول في الوصول إلى منطقة أريحة الاستراتيجية في أقل من أسبوعين. راهنت على ميليشيات الفيلق الخامس الذي يقوده سهيل الحسن لتحقيق هذا التقدم ميدانيا، لكن ميليشيا الحسن فشلت في تحقيق الأهداف الروسية وتعرضها لهزيمة ميدانية قاسية على يد مسلحي المعارضة، الذين سددوا صفعة قوية للجنرالات الروس الذين استثمروا طاقاتهم في هذا الفليق باعتباره بديلا يعفي موسكو من الاستعانة بالميليشيات الإيرانية الأكثر تدريبا والأعلى كفاءة.

فشل طيران موسكو الحربي جوا وخبراؤها برا في تحقيق نصر روسي خالص عشية اللقاء الأمني المرتقب في تل أبيب بين مستشاري الأمن القومي لروسيا وإسرائيل والولايات المتحدة، حيث من المتوقع أن يناقش مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتن نظيره الروسي في خطة موسكو لتقليص النفوذ الإيراني في سوريا.

سيخوض الروس هذا النقاش، بعد أن كشفت الهزيمة في إدلب أن موسكو بحاجة إلى القوة الإيرانية أكثر من أي مرة سابقة بعدما تيقن الروس من ضعف ميليشيات الأسد أو ما تبقى من جيشه، وهذا ما بات يفرض عليها الزج بمزيد من قواته البرية في المعركة، كما تعرضت القوات الروسية لضربات من قبل المعارضة دون اعتراض من أنقرة، فقد أكدت مصادر ميدانية أن القاعدة الروسية المتقدمة في شمال حماه ـ تبلغ مساحتها 5 كلم ـ تعرضت لقصف عنيف براجمات الصواريخ التابعة للمعارضة ما أدى إلى إخلائها، الأمر الذي دفع الإعلام الحربي الروسي إلى بث صور لضباط جنود روس من داخلها، لتفي ذلك.

نجحت المعارضة في تهشيم صورة روسيا القوية، ودفعتها إلى تأجيل المعركة النهائية في إدلب، وفرضت عليها إعادة تقييم علاقتها مع أنقرة وقد بات واضحا أنه لا يمكن ابتزاز الأتراك بشكل كبير، بورقتي إدلب وصفقة إس 400، بعدما تحولت الأخيرة من ورقة بيد موسكو للضغط على أنقرة، إلى أداة تستطيع أنقرة ابتزاز موسكو بها؛ فحتى الآن هناك إمكانية لتراجعها عن الصفقة لصالح العلاقة مع واشنطن، التي تعتبر تاريخيا حليفا استراتيجيا لمؤسسة الجيش التركي.

كما تستفيد أنقرة من علاقتها الإيجابية مع طهران التي تحاول إرضائها في مرحلة العقوبات الأميركية غير المسبوقة التي تتعرض لها، لذلك لن تستفزها بإرسال ميليشياتها بشكل كثيف للانخراط في معارك الشمال، وهذا ما سوف يفرض على موسكو أن تحشد ما تبقى من وحدات صلبة في جيش الأسد، ما يعني حصول انكشافات أمنية في مناطق هشة قد تسمح لمسحلي المعارضة بالتنقل المريح، أو أن تتخذ موسكو الخيار الأصعب بزج قواتها البرية بشكل كثيف في المعركة المقبلة ما يفتح عليها أبواب “الأفغنة”.

آخر تحديث: 15 يونيو، 2019 5:21 م

مقالات تهمك >>