عسكردينيّة إيرانيّة

لقد تبعثرت الأحرف و تلخبطت في الكلمات، و باتت مهمّة النّظام القائم في إيران مقتصرة على حماية الثّروة التي تكوّنت بعد الثّورة و تكدّست مضافاً إليها ما تحقّق من أرباحٍ تكفّلت بها سياسة التّصدير العلنيّة والتّهريب السّرية إلى ضواحي الدول المجاورة وإلى جماعات النّقاء العرقي المبعثرة على سطح المستديرة، وتسعى إلى دمجها في إثنية واحدة تمنحها سطوةً وحضوراً ومهابةً ورهبةً.

بئر الثّورة ومنجمها منح الجمهوريّة العسكردينيّة المثيولوجيّة قوّةً خارقةً أودت بها إلى مزيدٍ من الهوسِ بالثّروة وبالمحافظةِ عليها وبالسّطوةِ الأسطوريّة وإمتلاكها. فبات لزاماً على الراغب ببقائها في بلاد الآريين شرعنتها بفقه يكفل إنسيابها و استمرار نموّها، فكان الخيار الأفضل يقضي بأن يؤتمن عليها آية من آيات الله تناط به مسؤولية الإشراف على السّياسة العامة للبلاد يعاونه لفيف من رجال الدين المتدثرين المعممين والمستشارين، والكتّاب ومن السّاسة التّابعين والقادة العسكريين والحرس المقلدين المدججين بفتاوى تجيز المجاز وتبيح أيضاً التّجاوز. تعتمد بالكامل على الغنيمة والأتاوة والجزية والمتعة قبل الفوز وفي الطّريق إليه وبعده.

اقرأ أيضاً: زرادشت صديقي

هل ستُطفأ شمعة النّظام بالرّياح نفسها التي تلهب أرواح الجياع؟ أم أن الجياع سيكونون كما جالوت بالنسبة لنبي الله داوود. أمرٌ يبحث عنه النّظام دوماً ليكون له الملك والحكم. موطن أقدم الحضارات والسّلالات وأعظم الأمبراطوريات الّتي تشكّلت يهتمّ اليوم بالتمدّد والتوسّع أكثر من الاشتداد والتعمّق، يريد لنظامه المزيد من الأراضي من دون أن يزيد الأمن، نظام الكم هذا يعجز عن إصابة هدفين معاً بسهمٍ واحدٍ .

اتّباع النّظام الإيراني الحالي في البلاد المستباحة عواصمها (كما أعلن المرشد الأعلى للجمهورية) مزدهرة أعمالها تزداد غنىً، تبرع في المكر والتملّق، تخضع بالكامل و مباشرة لمنظومة الثّروة. وفي الوقت عينه تفرض سطوتها على الآخرين بأكثر الطّرق دهاءً ورشاقة، تستفيد من كونها صفوة السّطوة. و في الحقيقة هي كحصانِ السباق ترى توتّر جسدِهِ وتسارُع أنفاسِه عن قربٍ، لكن من بعيدٍ لا ترى منه إلّا رشاقته و ثباته، تحسبه يُتقن ما يفعله بسهولةٍ.

لقد ذكر أحد الرحّالة العرب في القرن التّاسع عشر بعد أن زار سلطنة دارفور – السودان اليوم، أنّ رجال الحاشية كانوا يفعلون كل ما يفعله السّلطان، لقد كانوا يشعرونه بعظيم مكانته بينما يجعلون كلّ من عداه يخشون سطوتهم، يقيسون كلّ شيء بالمظهر، يجيدون الكلمات والتسرية ويستمتعون بما يوفّره لهم كلّ ذلك من مكانة، فكانت سطوتهم تفوق سطوته لبراعتهم في جمع وتراكم النفوذ في محيطهم.

مثل النظام الإيراني اليوم كمثلِ الممثّل المسرحيّ القادر على أن يبكي ويضحك حيث يريد وفي الوقت الذي يفيده وانجذب فجأة إلى ما أبهجه فكان كما الفراشاة المنجذبة إلى شعلةِ الضوء و الّتي غالباً ما تحترق.

اقرأ أيضاً: لماذا على السعودية أن تقلق مما يجري في إيران؟

جمهوريّة الثيوديمقراطيّة المعقّدة تلك بدأت تشوّش على الإيرانيين عقولهم وتمغص بطونهم، فالأصل كان يقضي بموت “الغير” لتنعم “الذات”، ويقضي أيضاً بالتّضحية بالـ”هم” لتحيا ال”نحن”، والنّتيجة المتوقّعة والمعدّ لها جيّداً كانت تبشّر جمهور الولاية بالتّخلص حصراً من “الآخر” لتبقى الـ”أنا” وينعم الإيرانيون جميعاً بالرّخاء والطمأنينة والمال الوفير، لكن أيًّ من ذلك لم يحصل وما حصل هو العكس تماماً، لقد خسر الشّعب الإيراني أمام هؤلاء جميعاً، وما بقي أمامه إلّا نظام يستعين بأتباعٍ له بالخارج وبشركاءٍ له بالداخل من الموالين والمعارضين الغير مغضوب عليهم أو من الضّالين، لمواجهة المحتجّين الغاضبين المغدور بهم والمسروقة أحلامهم والمضلّل حاضرهم بالخبريات المضخّمة الوهميّة السّعيدة المنتهية معظمها عليهم بالفوضى وبالكوارث والمحن والخراب.

كان من الأسهل على الولي الفقيه في إيران أن يتجنّب الدخول في أمر الدول الأخرى عن أن يخرج نفسه بعد ذلك منها. كان عليه أن يبدأ الأمر برفق ورويّة كما فعلت الخمينية ويدّخر طاقته للمواجهات اللّاحقة القويّة التي تختم الأمر لصالحه. ففي بداية الحقبة الخامنئية كانت الأمور خاضعة لإرادته، لكن بمجرد أن تحرّكت الأمور أصبحت فرضيّة أن تقوده ونظامه وتأخذهم في تيّارها أكثر. البركان يخلق جزر لكنه على الأرجح يبقيها فوق حمم معرضة لأن تنفجر.

السابق
حزب الله مشغول عن الغارات الإسرائيلية بـ«الحرب الكبرى»
التالي
سدّ بسريّ: لماذا يموّله البنك الدولي رغم عيوبه؟