عقب تحرير مدينة منبج السوريّة من مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” قبل يومين على يد قوات مجلس منبج العسكري الّذي يضم أغلبية عربية ومشاركة من قوات حماية الشعب “الكردية” من خلال قوات سوريا الديمقراطية وهو تحالف عسكري يضم مختلف مكونات الشعب السوري ويتلقى دعماً جوياً من التحالف الدولي الّذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، بُثتْ صور وفيديوهات من داخل المدينة، تؤكد وتشير إلى مدى الانتهاكات التي تعرض لها سكان المدينة في ظل حكم مقاتلي التنظيم وذلك عبر مراسلي كبريات وكالات الإخبار الدولية مثل فرانس بريس ورويترز وفضائيات كُرديّة شهيرة مثل كُردستان 24 والّذين ـ أعني المراسلين ـ لم تخلو بعض صورهم وتقاريرهم المصوّرة من نسوّة يدخنّ السجائر أمام الكاميرات وكذلك شبان ورجال يحلقون ذقونهم علناً، فرحاً بخلاصهم من استبداد التنظيم.
إنّ ما يجب أن يعلمه السوري قبل غيره، أنّ الحريّة التي طالب بها السوريون منذ انطلاق الاحتجاجات الشعبية في البلاد منتصف آذار/مارس 2011، لم تكن من أجل تدخين السجائر أو حلق الذقون الطويلة قبل أن تتحول إلى حرب أهلية برعاية دولية وإقليمية أو بالأحرى إلى حرب طاحنة بين السنة والشيعة (العلويين) من خلال مجموعات، الأولى تدعمها بعض ممالك وإمارات الخليج العربي وتركيا، والثانية بدعم من إيران ومحوره الشيعي، لكن الوقائع تؤكد أنها كذلك، فقانون الطوارئ الّذي عملَ عليه النظام السوري لعقود، لا يختلف عن قوانين دولة الخلافة “الداعشية” والتي يُحرم التنظيم من خلالها منع تدخين السجائر وارتداء اللباس العصري، حتى وصلت قوانينه للملابس الداخلية للنساء حين منعنّ النسوة من ارتداء حمّالات الصدر في الرقة قبل أكثر من سنتين بحجة الإغراء الجنسي وكل التقارير الصحفية تؤكد صحة ذلك، بما فيه تقرير صحافي نشرته صحيفة القدس العربي اللندنية آنذاك، أكدت فيه هذه السخافة، ناهيك عن عمليات النحرّ والسطو على الممتلكات وحتى اغتصاب النساء وحرمان سكان تلك المناطق من أبسط حقوقهم المدنية.

بيدٌ أنّ المشكلة، ليست في تحرير مدينة منبج من مقاتلي التنظيم، بل في عقلية “المؤامرة” لدى بعض نخب المعارضة السورية التي تشكك بصحة الصور والفيديوهات الواردة من المدينة من قبل أولئك المراسلين الّذين ذكرتهم أعلاه في بداية هذا المقال. هؤلاء الّذين يتعاملون وفقاً لتلك النظرية هم أنفسهم الّذين وقفوا بالمرصاد ضد “فبركات” إعلام النظام السوري، إذ كانوا يؤكدون أنهم دعاة حرية، ليتبين فيما بعد، أنهم ضد هذا النظام، فقط لأن الرئيس السوري، ينتمي للطائفة العلوية دون أي إشارة لديكتاتوريه، هم فقط يريدون استبدال الديكتاتور “العلوي” بديكتاتور “سنّي” وخير مثال على ذلك معركة “تحرير” حلب الّتي سُميت باسم إبراهيم اليوسف، البطل “السنّي” كما يزعمون وهو الّذي قتل مئات طلاب الضباط العسكريين العلويين في مدرسة المدفعية بحلب 1979، وكانت الشرارة الأولى للحرب بين النظام وتنظيم الإخوان انتهت بهزيمة الإخوان ودفع الشعب السوري ثمن ذلك من خلال تأصيل ديكتاتورية الأسد وترك يدها تعبث كما تشاء بحجة محاربة الاخوان المسلمين الطائفيين، حتى أن هذه النخب التي تشكك بتلك الصور، كان بعضها قد وقع على عريضة قُدمت لفضائية “بي بي سي” البريطانية منذ فترة وجيزة، تشكك أيضاً بمصداقية تلك الفضائية التي لا يمكن مقارنة حياديتها مع أي فضائية عربية أخرى وطالبوها بعدم دعم النظام السوري إعلامياً. هؤلاء من شرطة وسائل الإعلام و “ثوّار الفيسبوك” من السوريين، مهمتهم الوحيدة، تخوين وتكذيب كل من يعارض أو يكشف أخطاء ثورتهم. طبعاً هم أيضاً، لم يكتبوا سطراً واحداً عن هفوات فضائية الأورينت “الثوّرية” الّتي تهين السوريين من غير السنة بين الحين والآخر، مثلاً حين يقول أبرز وجوه المعارضة السورية السنية اليوم على شاشتها، إن الكُرد في سوريا، كانوا يتمنون الحصول على “ورقة” تُثبت أنهم ـ “بني آدمين”ـ هذا الكلام يعني أنهم لم يكونوا بشراً، لكن تلك النخب المعارضة لا يهمها مثل هذه التجاوزات مادام الأمر، يصب في مصلحة ثورتهم السنّية.
أضف إلى ذلك، بعد سيطرة كتائب المعارضة السورية المسلّحة ( أو بالأحرى بعض الفصائل الإسلامية الراديكالية والتي ترتبط بتنظيم القاعدة بشكلٍ أو بآخر) على بعض أحياء مدينة حلب، هللت تلك النخب من المعارضة السورية بتحرير المدينة، على الرغم من أن الأمر لم يكن تحريراً، لكنهم اليوم هم في الضفة الأخرى ضد تحرير مدينة منبج، فقط لأن الكُرد طرف في المعادلة العسكرية، حتى أن بعضهم، يرى في تدخين صبايا مدينة منبج للسجائر أمراً غير أخلاقياً، لكن النحر والاغتصاب وفرض النقاب عنوة هو أمر أخلاقي وفقاً لرأيهم، ما يعني أنهم يفضّلون تنظيم الدولة على المقاتلين الكُرد وشركائهم أيضاً. يقف إلى جانب هؤلاء المعارضين، كتبة سوريين علمانيين يتحوّلون بشكل تلقائي إلى مبايعي الخليفة “أبو بكر البغدادي” حين يتعلق الأمر بفصيل كُردي ما. أعتقد أن أكبر جريمة يجب أن يُحاسب عليها النظام السوري فيما بعد، هو اعتقاله لبعض أولئك الكتبة مدة عشرين سنة، صنعت منهم مناضلين من ورق، يشربون الويسكي سراً ويمدحون اردوغان وإسلامه السياسي علناً !
إقرأ أيضاً: لماذا لم يفرح الناس بتحرير منبج كما فرحوا بتحرير حلب؟
ما سبق أعلاه، لا ينفي حصول تجاوزات لدى قوات سوريا الديمقراطية، لكن وإن حدث ذلك، فيجب ألا يتم نسب تلك الانتهاكات للكرد دون غيرهم، لاسيما وأن بعض العشائر العربية والأقليات السورية هي طرف في تلك القوات، فالإعلام الكردي على سبيل المثال، لم يصف غزوات وهجمات تنظيم “داعش” لمدينتي “شنكال” و”كوباني” بالتطهير العرقي، على الرغم من أن العرب المسلمون السنة، يشكلون العمود الفقري في هيكلية التنظيم وكل الأدلة من صور وفيديوهات تؤكد حقيقة تلك المأساة، لكن الإعلام الكُردي لم يكن يعمل بالمستوى الذي تعمل به فضائية “الجزيرة” مثلاً والتي تحاول دائماً أن تضع المشاهدين في صورة حرب كُردية ـ عربية في بعض المناطق السورية، كالخبر الّذي تداولته أمس عن حرق السجل العقاري بمدينة منبج والّذي تبيّن فيما بعد أن السجلات العقارية محفوظة في مكان آخر، كذلك الأمر بالنسبة لسلب ونهب ممتلكات الأهالي، هو أيضاً أمر غير صحيح وكل ما تقوم به هذه الفضائية، يأتي بهدف أي عملية عسكرية يشارك فيها الكُرد لاسيما.
إقرأ أيضاً: معارضون سوريون: «منبج» من احتلال داعش إلى احتلال الاكراد
المثير للجدل أخيراً، أن هفوات “ثوّار الفيسبوك”، ليست بجديدة وهذه ليست المرة الأولى الّتي يفقدون فيها قواهم العقلية، هذه إن كانت موجودة أصلاً، في حين أن أخطاء الفصائل الإسلامية الراديكالية المدعومة من هؤلاء الثوار الإلكترونيين في خطابهم الطائفي، فهي ـ غير موجودة وكاذبة ـ إذا تكلمت عنها جهة ما وغالباً ما يكون رد هؤلاء، إنها مؤامرة. بالفعل هذه العقلية “المخابراتية” هي الّتي أوصلت السوريين إلى ما هم فيه الآن وكلّ من يشكك بصحة الصور، بإمكانه أن يتوجه إلى عفرين ويتأكد منها بنفسه، فالطريق سيكون سالكاً في الأيام المقبلة من “ديريك” شرقاً إلى عفرين غرباً، مروراً بكوباني ومنبج والباب وغيرها من المدن وكلٌ تحرير وهفوات ثوّار الفيسبوك بخير!
(كاتب وصحافي كُردي)

