مر إفطار الاحد بهدوء فاق المتوقع. كانت القاعة ساكنة اكثر من اللازم. إفتقدت جمهور المقاعد الخلفية بهتافاتهم وشعاراتهم المدوية. وبدا المدعوون الى الطاولات الامامية وكانهم في مهمة أكثر مما هم في مناسبة. الثغرات في بعض الكراسي المتقدمة كانت ظاهرة للعيان. وفي الخارج، لم تستقطب الشاشات العدد المألوف من المشاهدين، الذين كانوا يترقبون ظهور الامين على التيار وعلى المستقبل، وينصتون الى كلمته السنوية التي كانت تشعل المشاعر وتلهب العواطف.
ثمة خلل بيّن في الحماسة التي كانت تستدعيها نداءات التيار ومؤتمراته ولقاءاته وحتى مآدبه، وهو لا يعزى فقط الى غيبة الرئيس الطويلة التي لا يعوضها الظهور التلفزيوني المتباعد، برغم انها كافية لآخرين من القياديين اللبنانيين الذين ليس لديهم سوى الاطلالات التلفزيونية لكنهم ما زالوا قادرين على استقطاب الحشود وتعبئتها وتوجيهها عن بعد.
في الامس القريب كان التيار يفاخر بانه التشكيل السني المدني الوحيد في العالم العربي الخارج من صناديق الاقتراع. لكن الصناديق اقفلت، وفتحت بدلا منها المساجد والتكيات والزوايا، فارتفع عدد النعوش وانتشرت لقطات الفيديو التي لا يمكن لاي تيار ان يحتويها. الهوية السنية التي كانت ملتبسة في زمن الرئيس المؤسس وفي المرحلة الاولى من زمن ولده ووريثه، صارت حصرية. لكنها لم تغادر الالتباس الذي يلتصق باي جمهور سني حائر في تعريف إسلامه وفي تحديد المسافة بين الاعتدال المنشود وبين التطرف السائد.
كان يعتقد ان تنظيمات منبوذة ومدانة من ذلك الجمهور، مثل القاعدة وداعش والنصرة ستخدم في تسهيل تلك المهمة، وفي توسيع هامش حركة المعتدلين وفي تعميقها. حصل العكس تماماً. لا مسايرة لتلك التنظيمات، كما حصل في العراق في مواجهة التطرف الشيعي، ولا خوفاً منها او انتفاعاً بها كما حصل في سوريا في مواجهة النظام. في لبنان، حيث لا يوجد جبهات قتال مشتعلة، بل خطوط مناوشات متفرقة، كان يفترض ان يترسخ التيار وان يتمدد..وكان يرجى ان تتحول مدنيته الى إغواء إضافي لابناء الطائفة السلميين بطبيعتهم العامة وتكوينهم الاجتماعي، والى إغراء جديد لابناء الطوائف الاخرى.
ليس من المنطق ولا من العدل ان يُطلب من التيار ان يقف على الحياد إزاء الحرب السنية الشيعية التي تدور رحاها في مختلف ارجاء العالم الاسلامي، في الوقت الذي يقدم فيه حزب الله نفسه بوصفة فرقة مقاتلة في الجيش السوري وفي الحرس الثوري الايراني. التجرد من السلاح في مواجهة هذا الخصم، عمل ذكي وحكيم، لكنه غير كاف لمخاطبة الجمهور السني الذي يتنازعه القلق من أشد متطرفيه ومن أشد معتدليه على حد سواء. ثمة لغة جديدة منتظرة. الليبرالية مزحة سمجة في ظل هذا الاستقطاب الحاد. والمدنية لا تبنى على الشاشة وحدها ولا تتجذر من دون صلات مختلفة مع بقية الطوائف، ومن دون عقد وطني جديد.
الفكرة بسيطة جدا. السعي الى استكشاف مطالب ومخاوف الطوائف الاخرى لن يكون أكثر خطورة من التمسك بما يزعم انها مقدسات، ولن يكون أقل تأثيراً من حوارات ثنائية سطحية تدور في الغرف المغلقة ولا تلقى أي صدى في الشارع. الاستعداد للمس بالمحرمات الوطنية مغامرة تستحق ان تخاض اليوم لان بديلها هو ان تميد الارض اللبنانية تحت اقدام الجميع، وان يقع الهيكل على الرؤوس كلها، الباردة قبل الحامية.
في إفطار الامس، أعلن الرئيس سعد الحريري انه، والتيار، باق على خطوط التماس مع ايران ومع الفتنة التي توقظها في العالم العربي. وهذا حق وواجب. لكنه يكلف الكثير ولا يجدي نفعاً، لانه أساسا لا يساهم في ابعاد حلفاء ايران عن تلك الخطوط، بل في حشدهم عليها، ولا يساعد في اجتذاب الجمهور السني الذي يمكن ان يختار تيارات أخرى غير سلمية وغير مدنية اذا قرر المواجهة مع الخطر الايراني الفعلي. والارجح انه شرع في مثل هذا الاختيار، والا لكانت قاعة البيال قد مست بالتوتر العالي المطلوب من التيار الاخير لسنة الاعتدال.

