“ما بدّنا كعك بلبنان إلا الكعك اللبناني” ربما كان هذا أحد أبرز وأكثر الشعارات ابتكاراً وحضوراً في التجمّع التاريخي لأنصار ثورة الأرز يوم الرابع عشر من آذار عام 2005.
وبقدر ما حمل الشعار من عفوية وبساطة ورمزية و”عنصرية” في آن واحد، بقدر ما يصلح كي يكون نموذجاً يلخص ما بدأت عليه وانتهت إليه ثورة الأرز خلال عقد من الزمن.
جسّد الشعار المدجج “باللبنانة” الخالصة وجهاً آخر من وجوه الصراع الأزلي والدائم بين الأنظمة الشمولية القمعية وبين الشعوب الباحثة عن الحرية في أي مكان في العالم.
لطالما وُصف بائع الكعك أو “الغزلة” خلال عهد الوصاية السورية على لبنان، تصريحاً أو تلميحاً بالأداة المخابراتية التي يتخطى دورها حدود النفخ في “زمور البسكليت” ومحاولة جذب الأطفال الصغار، إلى “شمشمة” الأخبار وقراءة المزاج الشعبي في هذا الشارع والحي وتلك الحارة والبلدة على امتداد كامل مساحة الوطن الصغير.
شكّل الرجل (البائع) من حيث يعلم أو لا يعلم مصدر قلق للكبار والصغار على حد سواء، حتى بات شراء الكعك عملية معقدة تخضع لحسابات أمنية تدفع المشتري لمخاطبة البائع “بالمعلم” في دلالة على الخوف المغلف بعبارات فيها ما فيها من الاحترام الاضطراري.
رفعُ لواء “الكعك اللبناني” في ذلك اليوم، لم يكن من باب الحرص على لقمة عيش اللبنانيين والتحذّير من مزاحمة السوريين لهم في ميدان لا يبرعون فيه أساساً، وإنما كان رسالة سياسية ظاهرها بائع الكعك المسكين، وباطنها رجل المخابرات بكل ما تعنيه مرادفات الكلمة من ظلم وقهر واستبداد وقذارة …
ما كان لأحد أن يفهم هذه الرسالة كما فهمها رأس النظام السوري. أدرك بشار الأسد أن خروج اللبنانيين أو غالبيتهم على رجاله (باعة الكعك)، يمثل خروجاً عن طاعة ولي الأمر، وبالتالي فإن إعادة عقارب الساعة إلى الوراء مهمة بدت أكثر من مستحيلة.
حزم جيش “الأسد أو نحرق البلد” أمتعته وخرج مكرهاً من لبنان، انتصر الآذاريون أو هكذا خُيَل لهم، عادوا إلى قواعدهم سالمين غانمين، شربوا نخب ثورتهم، ركنوا شعاراتهم دفنوا حراكهم في مقابر تحالفات سياسية بلهاء وغبية، كان لها اليد الطولى في إعادة إنتاج نظام “الكعك” بشكل أعمق وأبشع من ذي قبل.
بعد مرور عشر سنوات على ذكرى الرابع عشر من آذار، ماتت الثورة ومات لبنان الذي نريد، وظهر بائع الكعك مرة أخرى من جديد. استبدل “البسكليت والزمور وكيس الغزلة الزهري” بقميص أسود وحقد أعمى وصار ينثر الموت والرعب في شوارع بيروت مروراً بدمشق وبغداد وصولاً إلى صنعاء.
لم يخطر ببال جماهير ثورة الأرز يوماً أن “قادتهم” ما خلا رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع سيهرولون بعد كل التضحيات الجسام إلى مهادنة ومحاورة ومصافحة وتقبيل القتلة والمجرمين بحجج وذرائع واهية، لم يتوقع هؤلاء أن يخرجوا من عهد “الكعك السوري” ليدخلوا عصر “الخبز الفارسي”.. وما أدراك ما الخبز أو الخبث الفارسي.

