هكذا يُنزل حزب الله ميشال عون عن الشجرة

عون ونصرالله
الموضوعية تفرض علينا في بعض الأحيان الإقرار حتى للخصم بما يتمتع به من مناقبية ومن صفات حميدة، ومعارضة حزب الله في سياسته لا يعني انه شر مطلق وانه لا يتمتع بصفات حميدة، واحدة منها هي سعة الصدر وتحمل سهام منتقديه ونحن منهم، من دون ان يبدر عنه ردات فعل كنا لنشهدها سريعا عند اخرين، كما وان واحدة أخرى من هذه المناقب هي حرص هذا الحزب على الحلفاء السياسيين ليس فقط على احجامهم ومكاسبهم السياسية بل على مشاعرهم أيضا.

عندما سألت احد الناشطين الظرفاء المعارض لسياسات حزب الله والذي يتعرض بشكل شبه يومي لأفظع الاتهامات وحملات التشهير على صفحته الفيسبوكية، وعن سر هذا الاطمئنان لديه وهو المقيم بشكل دائم في الجنوب حيث النفوذ الأكبر هو لهذا الحزب وعن سبب مجاهرته لهذه الخصومة بدون خوف او وجل، أجاب:

أولا: بالرغم من معارضتي الشديدة للأسس الفكرية والعقائدية التي يقف عليها حزب الله الا ان الانصاف والموضوعية يفرضان علينا الإقرار ان هذا الحزب وان كان يتشكل من جسم تنظيمي حديدي هو اقرب ما يكون الى الأسلوب الستاليني في الإدارة وفي اتخاذ القرار، الا انه يتمتع ايضا ببراغماتية عالية جدا مما يسمح بهامش من الحرية يمنحها لمعارضيه وللمجاهرين بخصومته، بالخصوص اذا ما كان تأثير هذا الخصم او ذاك لا يشكل خطورة من وجهة نظره.
ثانيا: ازداد حجم الاطمئنان اكثر بعد صعود ظاهرة داعش التكفيرية واخواتها، ومحاربة حزب الله لها وحاجته الان لتقديم نفسه على انه حركة دينية مختلفة تماما عنها، فلا يسع الحزب ان يقاتل الظواهر التكفيرية تحت شعار انها خطر على كل من يخالفها وبنفس الوقت يعتمد هو لغة التكفير، مما يجعل من وجود معارضين في مناطق نفوذه يشكل حاجة ماسة، “ولولا العيب والحيا” لقلنا ان على الحزب هذه الأيام دفع اموال للمعارضين.
ثالثا: إعلم بانه طالما حزب الله يهاجمك ولو إعلاميا فانك بذلك تكون في منأى عن أي خطر، ولن يمسك سوء، وانما الخوف والحذر يجب ان يتسرب اليك في اللحظة التي يبدأ فيها الحزب بمغازلتك والاشادة بمناقبيتك او حتى بالسكوت عنك، فحزب الله بتربيته العسكرية التي فرضتها عليه تجربة المقاومة، دائما ما يتبع الأسلوب “الجهادي” الحربي في مقاربته للامور، ولان الحرب خدعة, فتراه يعمل ما لا يقول، ويقول ما لا يعمل (بديهيات الخدعة)، وهذا ينسحب حتى على أدائه السياسي.

عدت لأسأله: حسناً يا صديقي، وبناءا على ما تقدمت به، وتبعا لخبرتك المزعومة بطريقة ممارسة حزب الله للسياسة، اشرح لي كيف تفهم الان هذا التمسك المفاجئ بترشح ميشال عون للرئاسة وإلاعلان عن تأييد هذا الترشّح بشكل واضح وعلني لا لبس فيه؟

فأجاب: وللانصاف أيضا، فحزب الله يحرص كل الحرص ليس على حلفائه فحسب بل حتى على مشاعر هؤلاء الحلفاء، فالقرار بتنحية ميشال عون عن الترشح للرئاسة قد اتخذ واظن بانه تبلغ بهذا القرار وبكل حيثياته، يبقى طريقة انزال جنرال الرابية عن الشجرة التي وضع نفسه في اعلاها. ووظيفة حزب الله هذه الأيام هي تجهيز سلم ملائم يهبط بواسطته من فوق الشجرة وكل ما يريده حزب الله هو القول للرأي العام أولا ولقواعد التيار العوني ثانيا، ان هذا التنحي المرتقب لم يكن تنفيذا لرغبة الحزب وانما هو قرار ذاتي اقدم عليه ميشال عون نتيجة حسه الوطني الرفيع ومن اجل الحفاظ على ما تبقى من هذا الوطن! وعليه فاعلم يا صديقي بان كل تصريح لأحد مسؤولي الحزب يعبّر عن التمسك بترشيح ميشال عون للرئاسة هذه الأيام، هو بمثابة درجة جديدة في بناء هذا السلم، ولا استبعد في نهاية المطاف وعند اخر درجات ذلك السلم ان يُقيم حزب الله حفلا خطابيا كبيرا برعاية سماحة الأمين العام السيد حسن نصرالله، يخاطب فيه الشعب اللبناني العظيم ويخبره بان يوم تنحي ميشال عون عن الترشح هو أيضا يوم مجيد، لان الجنرال تنازل بمحض ارادته عن حقه من اجل حفظ لبنان والمقاومة والأمة العربية والإسلامية والشهداء والجرحى وعوائل الشهداء والمستقبل والتاريخ والجغرافيا ومجرة درب التبانة, والسلام عليكم.

السابق
الراعي: نناشد آل جعفر تسليم مرتكبي جريمة بتدعي
التالي
هل يكون لنائب من «حزب الله» يدٌ في اغتيال الحريري؟

اترك تعليقاً