لا فرق بين الفراغ والشغور. منصب الرئاسة الذي سوف يصير شاغراً بعد ثلاثة أيام يعني ان الطبقة السياسية (البرلمان) غير قادرة على انتخاب رئيس له، يكرس وحده معنى الدولة ومفهوم الدولة. علاقة الرئاسة بالدستور، تجعلها أهم منصب في الدولة، بل ان الرئاسة تعني وجود الدولة. بواسطتها يتحول كل صراع على النظام إلى صراع في الدولة ومن أجل الدولة. الدولة هي الوجود الوحيد المطلق في كل بلد. من دونها يتحول المجتمع إلى فاشل، وذلك يعني ان الدولة فاشلة.
تسمية الفراغ بالشغور تعني ارتياح اللبنانيين للسيناريوات المرسومة للبنان ابتداء من 25 أيار. وما ارتاح بعض اللبنانيين للفراغ إلا بسبب شعار «الشعب والجيش والمقاومة» الذي أهمل شأن الدولة، بالأحرى وضع السياسة خارج الدولة وكرسها من أجلها. لقد سقطت أيديولوجيات كبرى دينية وقومية وطبقية في أقطار الوطن العربي لأنها لم تجعل من الدولة أولوية أولى. لا تكون الدولة أولوية إلا عندما يكون الصراع داخلها ومن أجلها. حقيقة الأمر ان من يضع الأصولية الدينية أو القومية أو الطبقية خارج الدولة هو كمن يستسلم للامبريالية، وهي طبعاً خارج الدولة.
الدولة هي بكل بساطة إرادة العيش سوية. ضرب النواب بعجزهم عن انتخاب رئيس في الوقت المحدد هذا المفهوم. ولم يحدث ذلك إلا لأنهم اعتمدوا على الخارج. ما من بلد، سواء كان صغيراً بحجم لبنان أو قبرص، أو كبيراً بحجم الصين، يمكن إخضاعه إذا كان فيه دولة وكانت هذه تعبر عن إرادة العيش سوية.
ما جعل العيش سوية أمراً مستحيلاً هو ابتعاد السلطة عن الشعب، توسع الفجوة بين الناس والدولة. كلما ابتعدت الدولة عن مجتمعها كلما ضعفت. إن قوة أجهزة الدولة، خاصة مؤسسات الجيش والاستخبارات والشرطة، لا تعني قوة الدولة. بالعكس كلما قويت هذه الأجهزة كان معناه ضعف الدولة. لا تحتاج الدولة الشرعية إلا لرضا الناس، وكلما كثرت الأجهزة الوسيطة بين الدولة الشعب كلما ضعفت الدولة. ونحن الآن لدينا دولة لبنانية في منتهى الضعف.
من المسؤول؟ للجواب على ذلك يمكن تعداد 3 اعتبارات:
1 ـ الأيديولوجيا الموروثة، عن أن اللبنانيين أذكياء وانهم مهما فعلوا ببلدهم سوف يأتي من ينقذهم (اتفاق الدوحة، اتفاق الطائف).
2 ـ الأيديولوجيا السائدة أيضاً سواء كانت دينية أم قومية أم طبقية جعلت الدولة وسيلة لشيء ما خارجها. ما عادت الدولة هي المطلق الوحيد.
3 ـ شعارات بنيت عليها تحالفات مثل «الشعب والجيش والمقاومة» أو «لبنان أولاً»؛ وكل ذلك أهمل الدولة.
ليس صحيحاً أنه ليست لدينا دولة. لدينا دولة ضعيفة. هي بالأحرى لا دولة. عمل أمراء الحرب الموروثون من الحرب الأهلية (1975 ـ 1989) على إضعاف الدولة وتحويلها إلى نظام مغانم. لم تستطع الدولة، بوجود هؤلاء، إرساء مبدأ حكم القانون. لم تتعقلن الدولة.. لم تتحول إلى كائن بذاته ولذاته. سلوك أمراء الحرب يخضع الدولة لاعتبارات المغانم، ويضرب إمكان عقلانيتها. لم نصل في لبنان إلى مرحلة عقلنة الدولة، بمعنى ان القوانين تطبق على الجميع بالتساوي وتلقائياً ومن دون تدخل من أحد. شرط هذا الأمر زوال أمراء الحرب القدماء والجدد.
السيناريو المستقبلي الوحيد لفراغ الرئاسة، الذي يعني عملياً تعطيل الدستور وإلغاء فكرة الدولة، هو التحول إلى مجتمع فاشل يعيدنا إلى شريعة الغاب وإلى إنسانية ما قبل إنسانيتنا. هو سيناريو مخيف حتى ولم تكن النتائج المادية وخيمة، وهي حتما سوف تكون كذلك. ما أبله الهيئات الاقتصادية. اعترضت على سلسلة الرتب والرواتب ولم تعترض على خفة النواب في التعاطي مع انتخاب رئيس الجمهورية. لا بد وان الهيئات الاقتصادية لديها انتينات خارجية، وهي بالتالي تعتمد على فرسان ما يسمى المجموعة الدولية أو العربية لإنقاذ لبنان في اللحظة الأخيرة.
ماذا تفيدهم ثروتهم إذا تلاشت الدولة اللبنانية. المعروف انهم هرَّبوا وسوف يهربون أموالهم إلى الخارج وهذا أسوأ. لا يهمهم ما يجري على الأرض اللبنانية. احتقار الأرض التي كانت وما تزال مصدر وجودنا هو احتقار للشعب اللبناني، هو احتقار للدولة، التي عرفناها ونعيد التعريف أنها العيش سوية لهذا الشعب في إطار دولة تكون هي المرجع الوحيد.
كل السيناريوهات المستقبلية تقود إلى ذلك فهل يفكر أهل السياسة عندنا لبضع دقائق في مستقبل بلد أنيطت بهم قيادته؟!

