كما كان لاتّهام الدكتور رضوان السيّد لعدد من المثقفين وذكرهم بالاسم في مقاله، مثار مزيد من التعليقات في بعض وسائل الإعلام.
وكان من الردود التي نشرتها الجريدة أخيرا، ردّا الأستاذين جورج طرابيشي ومحمد عبد المطلب الهوني.
وها هي «الشرق الأوسط» تنشر اليوم مزيدا من الردود حول مقال رضوان السيد، بما فيها رد السيد نفسه، ورد الكاتب السوري الدكتور عزيز العظمة، كما تنشر تعليقا للكاتب المغربي سعيد بنسعيد العلوي.
إن ما كتبه رضوان يوم 18-04 كثير الاختلاط كالعادة وغير متماسك في تسرّعه واستعجاله، ويتعذّر فيه على قارئه تمييز الخيط الأبيض من الخيط الأسود؛ هذا القارئ الذي يجد نفسه منقادا إلى أن يستشعر من خلال ما يقرؤه من سطور المقال، عصبية طائفية بدائية غير قادرة على التمييز بين الأمور وعلى التعالي عن عماء التعصّب والانتصار لعصبية ما دون السياسة وما فوقها، عصبيّة لا ترى حولها إلاّ فسطاطَيْن: فسطاط الذّات التي لا تحجم، في غياب ملكة التمييز لديها، عن المماهاة بين الولاء للدّم الطائفي والذهاب بهذا الولاء – على تقادمه وضرره – إلى تأييد كل ما نطق باسمه من عاقل أو ناعق أو تكفيري، وفسطاط الآخر الذي ليس على استعداد لانتضاء لواء الاقتتال الطائفي واتّخاذ رضوان السيّد مناضلا قدوة في هذا. على هذا النّحو يصبح كل من كان غير مستعدّ لانتضاء هذا اللّواء متهما بتأييد الفقيه الولي وحزب الله ولواء أبي العبّاس والحرس الثوري وغيرهم.
تلك تهّمة يكيلها لي رضوان ولغيري أيضا، باستسهال يدل إمّا على الخفّة بل الحمق، وإمّا على تهتك في الكيان الأخلاقي والمعنوي. هذه – وغيرها ممّا جاء فيما كتب رضوان – بهتان صرف لا يستند إلى شذرة في الواقع، وليس لديه عليه أي مستند في قول أو نصّ أو فعل. هذا اختلاق وتقوّل غريبان إذ إن رضوان ليس غريبا عنّي ولا هو بجاهل بمواقفي. أمّا أنّه يتهمني بأنّني أعتقد أن الصديق والرفيق ميشيل كيلو طائفي، فهذا أمر غريب إلى درجة العبث. باختصار شديد، إنّ ما أتى به رضوان من بهتان تجاهي، وتجاه البعض من زملائي وأصدقائي ومعارفي، إنّما هو يشكل على الأرجح ومن وجهة نظر القانون قَدحا وذمّا مكتملي الأركان، وهو لم يرتدع عن أن ينشر ما نشر وما كان يجب ألا ينشر في جريدة محترمة على صورة قد ورّطها معه في هذا الأمر. ما فعله الرجل غير أخلاقي ومخالف للقانون، ولعلّه يستذكر أنّ فقه أهل السنة يوجب إقامة الحدّ على القدح والقذف والإفك.
لقد حاولت جاهدا أن أفكر في الأسباب التي أوجبت على رضوان تجاوز حدود الأمانة والأدب والمروءة والقدْر، والافتراء على غيره بهذه الدرجة من الاستهتار. حاولّت تلمّس ما يدعو إليه من التشبيح والضرب يمنة ويسرى علّه يصيب هدفا ما، وهو يطلق خطابا غوغائيا لعله يطمح من خلاله إلى الظهور على شاكلة قرضاوي صغير.
لم أوفق في التوصل إلى الأسباب الممكنة، مع أنّني قلّبت في ذهني الخلافات الآيديولوجية والثقافية والسياسية والفكرية الممكنة، ولكنّني لم أوفق في التوصل إلى الباعث على هذه الفرية على الأشخاص الذين هم على خلاف معه بصدد الشأن الطائفي، وشأن التحرّر والفكر الحرّ. وعلى ذلك فإنّ الأرجح في تقديري هو الشأن الأقرب والأسهل الّذي تراكب على أوهام آيديولوجية وأدّى به إلى هذا التجني وارتضاء استقبال لوثة باعثة على ما كتبه. والأرجح في تقديري أنّه فعل ما فعل لشيء في نفسه. أترك لغيري الإفصاح عن تقديره.
وفي النهاية، إنّني أطالب رضوان وهو منقلب اليوم من ذيل الكهولة إلى بداءة الشيخوخة أن يتوسّل الأمانة والصدق والمروءة، وأطالبه ثانيا بالاعتذار في هذا الموقع بالذات راجيا ألاّ يكون في هذا الطلب تكليف بما لا يطاق. قلت يوما لرضوان، وأنا أمازحه معاتبا إيّاه على الإخلال بالوعد، إنّه من العسير عليّ أن أعتقد أنّه على ذلك القدر من السّوء الّذي يحاول أن يظهر عليه نفسه والّذي بات يتحدث عنه الكثيرون. ولأقلها بصراحة: هذه فرصة تتاح له الآن ليفاجئنا.

