مصر تكمل، بالاستفتاء على الدستور، الشرعية الشعبية الثورية التي انحاز اليها الجيش بالشرعية الدستورية. والباقي على الطريق ليس فقط خطوات انتخابية رئاسية ونيابية محددة في خارطة المستقبل بل أيضاً سياسات تقطع مع الماضي القريب والبعيد، وبرامج عملية تعالج قضايا البلد والمجتمع ومشاكل الحاضر المتراكمة من زمان لصنع المستقبل. فالمصريون الذين صوتوا بأقدامهم في ثورة ٣٠ يونيو للخلاص من حكم الاخوان المسلمين، صوتوا بأيديهم في الصناديق لتحقيق حلم حالت الخلافات دون التعبير عنه بوضوح في الدستور: دولة مدنية هي وحدها أساس الدولة الديمقراطية الحديثة التي وعد بها الجنرال عبد الفتاح السيسي. دولة الخروج، لا فقط من كابوس الدولة الدينية بل أيضاً من كابوس الدولة الأمنية.
ومن السهل، حسب الانطباع السائد، اختصار مواقف الأكثرية الساحقة التي قالت نعم للدستور بعاملين: رفض الحكم الإخواني، ودعم القائد المنقذ. لكن من الصعب تجاهل العامل المهم والجديد الذي أظهرته ثورة ٢٥ يناير وهو استعادة الشعب لصوته ودوره، وإصراره على عودة مصر الى نفسها والى دورها القيادي العربي.
ذلك أن كثيرين في مصر وخارجها ينظرون اليوم الى المشهد، فلا يرون سوى صورة طاغية: ثنائية العسكر والإخوان. وهي ثنائية رافقت مصر على مدى عقود. والعلاقات بين طرفيها تميزت بالعداء في معظم الأحيان، وبالتواطؤ مع بعضها. وفي الحالين كان النظام يقمع القوى المدنية من يسارية وقومية وليبرالية أو أقله يحاول تهميشها. ولم يكن من المفاجآت بعد الثورة الشعبية والتواطؤ بين المجلس العسكري والإخوان أن يجد الشباب الذي فجر الثورة نفسه على هامش السلطة. ولا أن تبدو الأحزاب المدنية ضعيفة الشعبية في مواجهة القوة المنظمة والجاهزة للإخوان المسلمين.
ولا أحد يجهل ما الذي سيفعله الإخوان. فهم لا يزالون في حال إنكار للواقع وإصرار على مواجهته بالعنف. وهم في ورطة سياسية مع أكثرية المصريين. لكن السؤال، بعدما أوحى عدد من المرشحين السابقين للرئاسة أنهم خارج الترشح، هو: ما الذي يقرره السيسي؟ هل يرشح نفسه وسط المد الشعبي الذي يضمن له النجاح من دون معرفة قدراته على الحكم أم يختار البقاء في منصبه القوي؟ هل تعود مصر الى حكم الرئيس الجنرال أم تصل الى ثنائية جديدة هي الرئيس والجنرال؟
مهما يكن الجواب فإن النظام الرئاسي كان ولا يزال كارثة في مصر وفي الدول العربية. وشعب مصر الذي قام بثورتين خلال ثلاث سنوات يستحق دولة مدنية، لا دولة أمنية مستترة، ولا مجرد دولة ديمقراطية حديثة حكومتها مدنية حسب التعبير الهجين والفضفاض في الدستور.

