الزيارة الرئاسية للسعودية مفصلية

العلاقات الأخوية المتينة التي تربط لبنان بالمملكة العربية السعودية لا تحتاج إلى اختبارات جديدة، ولا إلى فحوصات دم طارئة، لإثبات أصالة الروابط التي تجمع بين الشعبين الشقيقين، طوال ردح من الزمن.
الشقيقة الكبرى كانت، وما زالت، دائماً حاضرة لدعم الشقيق الأصغر، ومدّ يد المساعدة لوقف شغب اللبنانيين، والعمل بكثير من الصبر والحكمة على إطفاء نار خلافاتهم، ومن إعادة أجواء الثقة والتسامح بينهم، واتفاق الطائف يبقى شاهداً تاريخياً على دور القيادة السعودية في إنهاء الحرب العبثية التي أكلت الأخضر واليابس على مدى خمسة عشر عاماً.
ولا يستطيع اللبنانيون، على اختلاف انتماءاتهم الحزبية والسياسية، أن ينسى بعضهم، أو أن يتنكر البعض الآخر، حجم العاطفة السعودية التي تحيط بلبنان، كلما تعرض بلد الحروب والأزمات لمحنة، سواء بسبب الصراعات الداخلية وامتداداتها الخارجية، او خلال الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على المناطق اللبنانية، والتي كان اخرها في حرب تموز ٢٠٠٦، حيث سارعت المملكة إلى نجدة الاقتصاد اللبناني، ومنع الليرة من الانهيار، عبر المبادرة المشهودة للملك عبدالله بن عبدالعزيز، بإرسال وديعة بمليار دولار إلى المصرف المركزي، إلى جانب جسر المساعدات العاجلة الذي أقيم بين الرياض وبيروت لتامين الحاجات الانسانية اللازمة لأكثر من مليون لبناني اضطروا لترك قراهم ومناطقهم هرباً من وحشية العدوان الإسرائيلي.
ولا يستطيع بعض اللبنانيين اليوم، وخاصة أصحاب الحملات المشبوهة ضد السعودية، أن يتنكروا للمساعدات السعودية السخية لإزالة اثار العدوان، وإعادة إعمار ٢٢٣ قرية جنوبية من أصل ٢٣٦ دمرها القصف العدواني الإسرائيلي، فضلاً عن تمويل ورش إصلاح الجسور والطرقات، وترميم عشرات المستشفيات ومئات المدارس في الجنوب والبقاع ومختلف المناطق المتضررة.
في ظل هذه المناخات الأخوية التي تغمر العلاقات المميزة مع السعودية، تتم زيارة الرئيس ميشال سليمان إلى الرياض، بعيداً عن كل أجواء الافتراء والإساءة التي تعمّد البعض توجيهها للمملكة، خدمة لأجندات خارجية، لا تمت للمصالح  اللبنانية بأدنى صلة.

ويُعلّق اللبنانيون أهمية خاصة على الزيارة الرئاسية إلى الرياض، نظراً للظروف الصعبة والمتشابكة التي تعيشها المنطقة على إيقاع الحرب السورية من جهة، ومعطوفاً عليها تداعيات أزمة الإقليم وانعكاساتها على الوضع اللبناني الهش، والذي يدور في حلقة مفرغة من الأزمات السياسية والإشكالات الدستورية، والتي باتت تهدد النظام والكيان.
البلد الواقع على خط زلازل حروب ومشاكل المنطقة، يعيش حالة فراغ قاتلة في مختلف مؤسسات الدولة، بسبب الانقسامات العامودية التي عطلت الحياة السياسية في أقدم نظام ديمقراطي في الشرق الأوسط ، وأدت إلى شلل أعمال مجلس النواب، وإبقاء السلطة التنفيذية تحت رحمة حكومة مستقيلة منذ أكثر من سبعة أشهر، واستحالة تشكيل حكومة جديدة تحت ضغط الشروط والشروط المضادة، إلى جانب استحقاق رئاسي أصبح على الأبواب، وليس في الأفق ما يطمئن بتمرير الانتخابات الرئاسية في موعدها الدستوري في أيار المقبل، ولا يلوح في المدى المنظور أي توافق بين الأطراف السياسية على التمديد للرئيس سليمان، كمخرج مؤقت لتفادي الفراغ في رئاسة الجمهورية!
وما يجري على الساحة السورية من حروب وصفقات لا يقل خطورة عن التردي الحاصل في لبنان. مصالح الكبار الدوليين والاقليميين تقدمت بأشواط على مصالح ومصير الشعب السوري الشقيق، الذي دفع أثمان الحرية والديمقراطية أضعافاً مضاعفة من دماء عشرات الألوف من الشهداء والضحايا الأبرياء، إلى جانب هذا المدد الهائل، وغير المسبوق بتاريخ المنطقة، من المهجرين داخل الوطن، والنازحين إلى الدول المجاورة، والذين يقدر حجمهم بربع سكان سوريا، كل ذلك دون أن يظهر الخيط الأبيض من الخيط الأسود، من نهاية المواجهات المريرة التي طحنت البشر والحجر.
ورغم كل الضغوط الدولية التي تمارَس على أطراف الأزمة السورية للذهاب إلى مؤتمر جنيف، ليس ثمة ضمانات بإمكانية التوصل إلى صيغة حل سياسي تنهي حمامات الدم الجارية في طول البلاد وعرضها.
والوضع السوري المتفجر يشكل هماً مشتركاً بين لبنان والسعودية، لأن استمرار النزيف السوري، والمفتوح على شتى التدخلات الخارجية، يحمل تهديداً مباشراً للنظام الأمني العربي، ويفسح المجال لأطراف غير عربية بالتدخل في الشأن العربي، على نحو ما هو حاصل حالياً مع إيران، التي تعتبر نفوذها في المنطقة جزءاً أساسياً من المفاوضات الناشطة مع الغرب حول الملف النووي الإيراني.
والجانب العربي يشجع على التوصل لنهاية سلمية لملف إيران النووي، ولكن ليس على حساب المصالح الاستراتيجية العربية، ولعل هذا الاعتبار بالذات كان وراء الموقف السعودي الأخير من أسلوب الديبلوماسية الأميركية في التعاطي مع الملف الإيراني، والذي خلا من أي تنسيق مسبق، أو متزامن مع الرياض، تفرضه العلاقات التحالفية القديمة بين البلدين أولاً، فضلاً عن التداخل الجيوسياسي الخليجي عامة، والسعودي خاصة، مع الوضع الإيراني.

وأخيراً، لا بد من تذكير أصحاب الذاكرة الضعيفة، بأن السعودية كانت دائماً محطة ضرورية في تاريخ المفاصل اللبنانية، منذ فجر الاستقلال حتى اليوم. وزيارة الرئيس ميشال سليمان تأتي في هذا السياق، لأنها تتم قبل أشهر من انتهاء ولايته، ولبنان تتناتشه الصراعات الخارجية، وتمزق جبهته الوطنية الخلافات الداخلية، وأوضاعه الأمنية والاقتصادية تنوء بأوزار الحرب السورية، ولا بوادر قريبة توحي بالانفراج، أو على الأقل تمهد للخروج من مهاوي الانهيار الحالي قبل فوات الأوان!

السابق
ايران ليست الخاسر في فشل جنيف
التالي
ماراثون بيروت 11 لأجل لبنان