تراه التفاهم المستبعد بين طهران والسعودية، أم بين طهران والدول العظمى هو الذي يأسر لبنان؟ ترى هل التبديل في القيادة القطرية هو الذي يفكّ أسر لبنان؟ أم أنّ اللبنانيين، أو بعضهم، يأسرون لبنان يوم يريدون، ويطلقونه يوم يريدون! وهل يقتضي في كلّ مرة إنتظار التطورات الخارجية من دولية وإقليمية لفكّ أسر لبنان؟ وهل أنّ الإنتقائية التي تعالج الهموم اللبنانية هي التي تعتقل لبنان أو تأسره؟
إذ كيف تُقطع طرق بيروت ويُحتجز الرهائن الأتراك لمبادلتهم برهائن لبنانيين من دون القيام بالفعل ذاته لأسرى آخرين لبنانيين، قد يكون بعضهم بات في دنيا الحق أو أننا نملك ملفات موثقة عن بعضهم، ونحن لم نعتمد يوماً هذه الأساليب سواء كنا أصدقاء للدولة الخاطفة (أو النظام الخاطف) أو كنا أعداء لها؟ ترى أين تقـع الدولة في هذه المسارات؟ وما هو موقف الشعب يوم يحصل العدوان على اللبنانيين وتكتشف إعتداءاتهم من خلال القضاء؟
ترى من يأسر المؤسسات الدستورية؟ فمجلس النواب مثلاً يريد له البعض أن يشرّع في ظلّ حكومة تصريف الأعمال فيما أقفله يوم كان يجب فتحه في السابق! وهو في الوقت عينه من عطّل النصاب في المجلس الدستوري! والحكومة معطلة والمجلس الدستوري أيضاً، وها هو اليوم على قاب قوسين من أسر موقع الرئاسة من خلال الفراغ المرتفعة أسهمه، وقد أدّى الفراغ في الرئاسة عام 1988 إلى “اتفاق الطائف”، وفي العام 2007 إلى “اتفاق الدوحة”، وفي العام 2014 إلى “اتفاق إذعان” أو إكراه جديد لا تكون عواقبه محمودة. ترى من يأسر المؤسسات العسكرية ويصادر دورها؟
من يملك القدرة على بث الفساد في الإدارات وفي ذهنية المواطن وتغييب فكرة الإنتماء إلى الدولة؟ من يرهب القضاء ومن يرهب القوى السياسية ومن يأسرها في مقارها خوفاً من الإغتيال؟ ومن يأسر طموحات اللبنانيين ومستقبلهم ومن يقتل الآمال ببناء دولة أفضل؟
وإذا كنا نهنّئ لبنان بعودة بعض أسراه (علّنا نمنع أسباب هذا الأسر مجدداً) إلّا أننا لا نجد من يبرّد قلوب الحزانى على أسراهم والمفقودين، فلا حزب معسكراً يرشدهم إلى طريق الخلاص، وما أدراك ما هو هذا الطريق، ولا أهلهم يملكون القدرة على شلّ المرافق العامة والمواقع السياحية والديبلوماسية لبعض الدول، ولا هم قادرون على تهديد الدولة وتهديد وزرائها والمؤسسات الأمنية والقضائية؟ ومن يملك القدرة على الهرب من الملاحقات القضائية، ومن يعيش في بيئة مساعدة لهذه الذهنية وثقافة الخروج على القانون؟
طوبى لكم أيها الحزانى والثكالى بدموع الأسى، فإذا حملوا قضيتكم يوماً وتناسوها دهراً فلا تغفلنّ أنّ كثراً يحملونها في فكرهم ووجدانهم وضميرهم، وإنني والحال هذه أتحسس مآسيكم وقلبي ينبض حزناً عليكم وعلى أسراكم، وهذا ليس بدافع من الشفقة بل لأنّ إنتمائي إلى الإنسانية والمواطنية يجعلني أفرح للأسرى المفرج عنهم وحزيناً على أولئك المنسيّين المهملين في زمن لا يزال طليقاً فيه كلّ من تسبّب باعتقالهم أو إخفائهم.
ترى من يفكّ أسرى الحرب وأسرى ما بعد الحرب؟ ومن يفكّ أسر بطرس خوند وجوزف صادر والمطرانَين بولس اليازجي ويوحنا إبراهيم وسواهم كثر؟ وهل يملك أهل هؤلاء كلّ الوسائل التي استخدمها أهل مخطوفي أعزاز لفكّ أسرهم؟
ترى أين الجانب القضائي في إطار ملاحقة خاطفي الطيارَين التركيَين؟ ومن تواصل معهم وحملهم على فكّ أسر الطيارَين من دون عقاب؟ وهل بات استيفاء الحق بالذات أمراً محللاً لأنّ الدولة غائبة أو أنها حالة إستثنائية تطمر فيها الدولة وجهها في التراب وتغضّ الطرف عن هذه الحالة الشاذة وعن الخاطف ما يشجع أهالي المخطوفين على سلوك هذا النهج الشاذ؟
وهل خاطفو الأستونيين تجوز ملاحقتهم قضائياً، أما خاطفو التركيين فيصبحوا أبطالاً كمن يخطف يهوداً داخل الأراضي اللبنانية؟ إنه زمن المعايير المزدوجة والإنتقائية حيث نطبّق كلّ شيء إلّا مفهوم الدولة والدستور والقانون، لا بل كل الشواذات التي تضرّ بهذا المفهوم. إنه زمن التبادل الديبلوماسي مع دولة فيها نظام يعتدي بالمتفجرات على اللبنانيين!
وإلى أن يُفكّ أسر لبنان من كلّ هذا، ربما تمرّ عقود أو قرون ولن نتمكن من الإجابة عن هذه الأسئلة أو معالجتها، ومن يحتاج إلى حلّها هو كلّ مواطن يجب أن يُثبِّت إنتماءه إلى هويته وإلى أرزته ودستوره وقانونه، إلى دولته لا إلى أيّ إنتماء آخر، أكان طائفياً أم غير طائفي، فهو لا يبرّر مناقضة الإنتماء إلى الهوية اللبنانية أو إلى الدولة اللبنانية.
وعلى كلّ هذا نملك ألف جواب وجواب، أما المسؤولون المعنيّون بها فهل أجابوا؟ وإذا امتنعوا هل نبقيهم في الحكم على قاعـدة “كما تكونـون يولى عليكم”.

