لطالما كانت الضاحية سوقا تجاريا واسعا أسعار سلعه أقل قيمة من خارجها، ولطالما كان لبنانيون ومن مختلف المناطق والمذاهب يقصدون الضاحية وأسواقها لشراء احتياجاتهم بأسعار أرخص من المناطق الأخرى، فجارة بيروت الجنوبية تحتضن أسواق مختلفة، لمختلف المجالات، الأزياء، الأدوات المنزلية، المواد الغذائية، المفروشات، أدوات كهربائية وأجهزة الكترونية، وقطع السيارات أيضا، جميع هذه البضائع يحصل عليها قاصد الضاحية بأسعار رخيصة نسبة الى الأسواق الأخرى.
ميزة الضاحية هذه شجعت شخصا من آل الجميل زيارتها ليبتاع منها “فيتاس” لسيارته، إلا أنه أصيب في تفجير الرويس الإرهابي لسوء حظه وخرج من المستشفى بعد تعافيه، حال الشخص هذا كالمئات غيره من النساء والرجال والعائلات التي ترى في الضاحية قبلة للفقراء.
بعد تفجير الرويس وقبله تفجير بئر العبد الإرهابيين غدا حال الضاحية مغاير كليا، فالخوف يلتحف حنايا معوض الرويس وبئر العبد وحارة حريك والغبيري والصفير والجاموس، خوف يعشش في صدور الناس، وقلق يرتسم على محيا القاطنين هناك، أما الزوار أو الزبائن من خارج المنطقة قطعوا زياراتهم الى أسواق ناسبت ميزانياتهم، لكن خوفهم على حياتهم أغلى من أي شيء.
لا شك أن الخوف سبب رئيس في عدم تردد القاطنين خارج الضاحية زيارتها، إلا أن المتمم لعدم الزيارة هو الإجراءات الأمنية المشددة الوقائية التي يتخذها حزب الله، من كان باستطاعته الدخول الى الضاحية بعشرة دقائق أصبح يحتاج لساعة لتمر سيارته في شارعين منها.
تجول وترقب عيون المارة الذين حين تسألهم عن رأيهم بما يرون يلخصون الواقع ب” بين الحاجز والحاجز حاجز” البعض يبدي تفهمه لتلك الإجراءات ويقول:” نتأخر ساعة أو ساعتين عن العودة الى منازلنا أفضل من أن لا نعود أبدا نتيجة أي تفجير.” ولكن هناك من يرفض تلك المشاهد ويقول ربما تضر ولا تنفع لأنها تكشف عناصر الحزب للجميع، ومن يريد التفجير سيجد طريقة لتمرير المتفجرات وبالتأكيد لن يمر على الحواجز، أيضا هناك من يبدي تذمره من الزحمة الخانقة ويقول أنه لا داعي لهذا كله فمن يريد القيام بعمل ارهابي سيجد طريقه لذلك.
المعاناة لا تقتصر على ما سلف، لا بل إن الوضع الإقتصادي هو المصيبة الكبرى الذي انحدر كليا بعد التفجيرات وتلك الإجراءات، فانخفضت نسبة الحركة التجارية الى أكثر من ثلاثين بالمئة حسبما يؤكد لجنوبية أحد العاملين البارزين لدى مؤسسة القاروط المخازن الكبرى إذ يفيد:” كانت حركة البيع لدينا مرتفعة جدا، وتصل الحركة التجارية الى التسعين في المئة.” ويضيف:” الضاحية لديها إكتفاء ذاتي ولكن بعد ما جرى، ٦٠ بالمئة من سكانها غادروها الى قراهم بسبب الأوضاع وهذا ما سيؤثر سلبا على الوضع الإقتصادي في المنطقة.” صاحب أحد المحال التجارية يشكو لجنوبية حاله:” الوضع الأمني ما بيسوى الناس خايفة وشباب الحزب يعطيهم العافية عم يعملوا اللي عليهم بس وضعنا بالأرض وما في حركة بيع.” هذا الكلام يتردد على ألسن جميع أصحاب المتاجر التي التقتهم جنوبية اذ بعضهم عبّر عن أسفه لما وصلت اليه الأمور:” ما في زبائن، عم نكش دبان، كان يجي لعنا زبائن من كل المناطق ما بقى عم يجي حدا.”
رئيس جمعية سوق معوض التجاري عصام العبدالله يفيد جنوبية بأن الضاحية كانت سوقا يجذب الناس من مختلف المناطق لأنه سوق تنافسي:” كانت الحركة الإقتصادية ممتازة جدا ولكن بعد ما جرى وبعد الإجراءات الأمنية المشددة ومع تأييدنا لها أصبح الواقع سيء جدا، حيث تخطت نسبة الجمود التسعين بالمئة لأن الناس من المناطق الأخرى لم يقصدوا الضاحية.” وكشف العبدلله أنهم بصدد التحضير لإطلاق خطة تعيد الثقة بأمن المنطقة وخصوصا الأسواق قائلا:” نقوم بإجراءات بالتنسيق مع البلديات والمعنيين من أجل منع دخول السيارات الى الأسواق وجعلها للمشاة فقط وذلك ما يوفر الأمان للزبائن ويطمئنهم.”
أما محمد لمع نائب رئيس غرفة التجارة والزراعة والصناعة في جبل لبنان فيؤكد لجنوبية:” الوضع الإقتصادي سيء جدا، والضاحية كان لديها حركة تجارية مرتفعة قبل ما تشهده من أحداث ولكن بعد التفجيرات والإجراءات الأمنية انخفضت الحركة التجارية فيها أكثر من خمسين بالمئة.” وأضاف:” الوضع الإقتصادي في كل لبنان سيء على الصعد كافة وهذا ما ينذر بكارثة قادمة.”
بين نارين تقع الضاحية الجنوبية هذه الأيام، نار الخوف من المزيد من السيارات المفخخة والإجراءات الأمنية الخانقة، ونار الوضع الإقتصادي الذي بدأ بالإختناق نتيجة النار الأولى، وبين النارين أسئلة تثور في عقول أبنائها ما الذي استدعى الذهاب للقتال في سورية؟ ذهبنا كي لا يأتوا إلينا وها هم يضربوننا في عقر دارنا؟ أسئلة تبدأ ولا تنتهي لتصل الى السؤال عن مدى تحمل بيئة المقاومة هذا الضغط الأمني والإقتصادي خصوصا مع اقتراب موسم المدارس؟

