اللبنانيون في الخليج..الأزمة الى تصعيد

تلوح في الأفق بوادر أزمة جديدة على مستوى اللبنانيين العاملين في دول الخليج العربي، انطلاقا من قرار دول مجلس التعاون، اتخاذ إجراءات ضد المنتسبين الى حزب الله في دول المجلس سواء في إقاماتهم، أو معاملاتهم المالية والتجارية…

لا يبدو أن القرار الذي اتخذته دول مجلس التعاون الخليجي في شأن إبعاد المحسوبين على حزب الله العاملين لديها، يمكن أن يَعبُر بسكينة وبلا ضجيج، لأنه لا يبدو، كما أمل البعض مجرد فقاعة صابون سرعان ما تختفي من دون ترك آثار.

هناك مجموعة من المؤشرات والعوامل تقود الى الاعتقاد ان القرار سيتفاعل أكثر فأكثر في المستقبل، من أهمها ما يلي:

اولا – المتابعة الحثيثة التي أظهرتها دول الخليج، وكان آخرها الاجتماع الذي عُقد في 5 تموز الجاري، والذي تمّ خلاله اتخاذ اجراءات عملية لبدء التنفيذ، من خلال الاتفاق على "آلية ترصُد التنقلات والمعاملات المالية والتجارية لحزب الله في الدول الخليجية الست."

وقد خرجت الى العلن لهجة تصعيدية اضافية عبر توجيه اتهامات مباشرة الى حزب الله لجهة "ضلوعه في دعم وتدريب بعض الجماعات الإرهابية وتنشيط خلايا التجسُّس ودعم العمليات الإرهابية في دول الخليج ".

ثانيا – الدعوة التي وجهها السفير السعودي الى الطلاب السعوديين في لبنان حول ضرورة مغادرة البلد، بما يؤشّر الى منسوب الجدية والخوف، بالنسبة الى مستقبل العلاقات مع حزب الله.

ثالثا – الانباء التي تردّدت عن بدء عملية "تهريب" للوثائق المهمة الموجودة في مقرات سفارات دول الخليج في بيروت، في خطوة احترازية في حال تم إغلاق السفارة على عجل، او في حال تعرضت لاقتحام من طرف ما.

رابعا – البدء بطرد مجموعات لبنانية على نطاق ضيق. في حين ان اجراءات الامتناع عن اعطاء تأشيرات دخول للبنانيين تزداد وضوحاً. وقد وصل الأمر الى حد أن السعودية، على سبيل المثال، ترفض منح تأشيرات دخول الى أراضيها للسائقين السوريين الذين يعملون على شاحنات لبنانية، في حين انها تمنح تأشيرات للسائقين السوريين العاملين على شاحنات اردنية.

خامسا – ارتفاع أصوات في الخليج تطالب بزيادة الضغط على الحكومة اللبنانية وتحميلها لجزء من المسؤولية في ما خصّ سلوك حزب الله.

سادسا – الانفتاح الذي أبداه العماد ميشال عون حيال السعودية، والذي تُرجم بغداء عمل في الرابية على شرف السفير السعودي، يهمُس البعض ان أحد أسبابه، بالاضافة الى الاعتبارات السياسية المتعلقة بخلافات عون المستجدة مع الحلفاء، التخوّف من أن تشمل عمليات الطرد في المستقبل، اللبنانيين المحسوبين على التيار الوطني الحر في دول الخليج.

ويهمس البعض أن الجنرال تبلّغ فعلا من بعض المتمولين المقربين منه الذين يعملون في الخليج، ان الوضع صار مُريباً، وانهم لا يستبعدون اتخاذ اجراءات في حقهم في المستقبل، اذا ما استمر التوتر على حاله.

هذه المعطيات والمؤشرات تقود الى الاعتقاد أن ما تُخطّط له دول الخليج العربي يتجاوز اطار الزوبعة في فنجان، وأن التعاطي الرسمي مع هذا الموضوع يجب أن يكون دقيقا وشفافا، لكي لا تتحوّل المشكلة بين مجلس التعاون وحزب الله الى أزمة بين لبنان ودول الخليج.

وهنا يظهر خوفٌ مُبرَّر من أن تبدأ المشكلة في مكان وتنتهي في مكان آخر، خصوصاً أن حزب الله لن يقف مكتوف الأيدي، اذا ما زادت الضغوطات عليه، سيما ان عمليات الإبعاد التي ستطاول منطقياً، عددا كبيرا من أبناء الطائفة الشيعية، تشكل واقعاً ضاغطا على الشارع الشيعي، الحاضن للحزب. وبالتالي، من البديهي أن يحاول الحزب بدوره أن يرد على هذه الاجراءات، بما قد يؤدّي الى تصعيد في الموقف.

هذا السيناريو تأخذه دول الخليج في الاعتبار، ومن أجل ذلك تحرص على إبعاد كل رعاياها من لبنان، وتأخذ الاحتياطات الضرورية لكي تتمكّن من إقفال سفاراتها في بيروت اذا ما تطلّب الأمر ذلك.

هذه الاجواء تقود الى مخاوف اضافية على مستوى الاقتصاد الذي يعاني حاليا من مرحلة تراجع مُقلقة، على كل المستويات. وقد صار معروفا ان القوى اللبنانية العاملة في الخليج، تؤمّن ما يتراوح بي 4و5 مليار دولار سنويا، تحويلات الى لبنان.

وهناك بين 350 و400 الف لبناني يعملون في هذه الدول. كما ان نسبة مرتفعة من الاثرياء والمتمولين اللبنانيين الكبار لديهم مصالح واسعة في الخليج، وقد جمعوا ثرواتهم من هذه البلدان. كذلك فان مصدر الاستثمارات الاجنبية في لبنان، يعود في قسم كبير منه الى مستثمرين من الخليج.

في الخلاصة، يتبيّن ان الاقتصاد الوطني يرتبط بعلاقة عضوية بدول الخليج العربي. وبوادر الأزمة المتصاعدة اليوم تحتاج الى عناية خاصة. صحيح ان حكومات الخليج حريصة على اللبنانيين العاملين لديها، والذين لا علاقة لهم بالسياسة، او بحزب الله، لكن التطورات، وفي حال أخذت المنحى التصعيدي، قد تخرج عن الاطار المنطقي، وتتحوّل الى أزمة أشدّ تعقيداً قد تأخذ في طريقها الصالح بجريرة الطالح.

الوضع الاقتصادي لا تنقصه تعقيدات اضافية. ما فيه يكفيه، والجميع يترحّم على العام 2012 لأنه على علاّته أفضل من العام الجاري. أما اذا لم تُعالج هذه المشكلة التي تُنذر بالاسوأ، فان اللبنانيين سيترحمون حتما على العام 2013، وهذه قمة المأساة.

السابق
شاكيرة و التنورة القصيرة…
التالي
حبيش: متمسكون بالتمديد لقهوجي