رصد السياسات الدولية والإقليمية في منطقتنا لم يعد ممكنا منذ سنوات طويلة من دون قناة "الجزيرة" حتى مع تراجع مصداقيّتها الخبرية بسبب ضخامة التزامها السياسي. مع ذلك، يوم أول من أمس كان مختلفا جداً على هذه الشاشة؟
تُروى الروايات عن علاقة أمير قطر (السابق) حمد بن خليفة آل ثاني بقناة "الجزيرة"، بعضُها يبلغ مفعول الأسطورة، ومنها أن لقاءً بين الأمير في إحدى زياراته لواشنطن في ذروة نفوذ "المحافظين الجدد" وبين نائب الرئيس يومها ديك تشيني استغرق بضع دقائق فقط لأن تشيني بدأ المباحثات بطرح ملف قناة "الجزيرة" فسأله الأمير: هل هناك ملفات أخرى؟ فقال له تشيني: هذا هو الملف الوحيد. فأجابه الأمير: وهل أتيت إلى هنا لمناقشة ملف واحد؟ يجب أن تكون هناك ملفات أُخرى. ولما أصر تشيني على موقفه انتهى الاجتماع الخاطف.
لا شك أن قناة "الجزيرة" التي تحوّلتْ إلى أول ظاهرة عالمية في الإعلام العربي ساهمتْ في تكبير الوزن السياسي للحكم في قطر وكانت أحدَ أركانِ مُثَلّثِ نفوذٍ غيرِ مسبوقٍ تمارسِهُ إمارةٌ صغيرة في الخليج حتى قياسا بتجربة الكويت في الستينات والسبعينات: المال- العلاقة مع التنظيم الدولي لـ"الإخوان المسلمين"- القناة التلفزيونية.
لقد ترافقت منظومة النفوذ هذه مع شبكة علاقات سياسية أيضا غير مسبوقة التركيب: إيران وإسرائيل و"طالبان" (ومن خلال "الجزيرة" مع "القاعدة"). مرّت هذه التواصلاتُ وامتداداتُها طويلاً بِـ"حزب الله" وسوريا ولكنها انطبعتْ بطابع مسافة سلبية مع المملكة العربية السعودية الدولة الكبرى في الخليج بل "العصبية" الكبرى في الخليج…. إلى أن بدأ "الربيع العربي" فإذا بقناة "الجزيرة" تنتقل (مع قناة "العربية" السعودية) من تغطية الحدث إلى صناعة الحدث! كانت تلك ذروةَ مجدِها السياسية وبداية انحدارها الإعلامية إن لم يكن "موت" الحقبة التأسيسية فيها. كانت "الجزيرة" على الأقل "تستشهد" إعلاميا داخل ولصالح عملية تغيير سياسي أو ولادة سياسية تاريخية في المنطقة.
لم نكن نعلم أن حقبة مؤسّس القناة هي التي ستنتهي أيضا إلا بعد الأنباء التي بدأت بالتواتر في الشهرين الماضيين والهمس الذي سبقها في العام المنصرم عن صعود نجم ولي العهد وبدء الحديث من أوساط جادة عن مواصفات الشيخ تميم التي ستنعكس في تعديلات جادة في السياسات القطرية. وإحدى الشخصيات العربية التي التقيتُها في الدوحة خلال مناسبة في الخريف المنصرم والقريبة من الشيخ تميم، أكّدت (بعد مديحها طبعاً لشخص ولي العهد يومها) أنه شخصية ستضع لمستها الخاصة على التوجهات القطَرية نحو الانكفاء – أو على الأقل التغيير – في بعض المجالات الخارجية والتركيز على مجالات أخرى أكثر اتصالا بالداخل القطَري والخليجي؟
عندما زرتُ مركز قناة "الجزيرة" قبل أكثر من عشر سنوات فوجئت بتواضع مكاتب القناة قياسا بأهميتها والضجيج الذي تثيره. فالمكاتب على ما رأيتها كانت من الخارج أشبه بمقر شركة بناء على أرض الورشة التي تعمل عليها ومبنيةً من المواد الجاهزة الصنع وداخلها مجموعة كبيرة من المكاتب المتلاصقة تنتهي بمكتب المدير العام.
وعندما شاهدتُ أول من أمس نمط تغطية "الجزيرة"، القناة العربية لا الإنكليزية، لحدث تسليم الشيخ حمد السلطة لولده الشيخ تميم تمنّيتُ لو كانت التغطية مختلفة. فقد تحوّلت هذه القناة على مدى نهار أمس إلى قناة رديئة وسطحية تشبه كل قنوات السلطات التي تمجّد الحاكم بلغة ممالأة مكشوفة. لم تكن "الجزيرة" تشبه الحد الأدنى مما تعوّدنا عليه منها قبل وحتى بعد انخراطها السياسي في الثورات العربية.
لا شك أن حدث التسليم مهمٌ خبرياً لكنْ كان بالإمكان تغطية أقوى وأكثر احتراماً للمشاهد (وبالتالي للنفس) يقوم بها الزملاء في "الجزيرة" وكثيرون بينهم كفاءات أثبتت نفسها.
أتحدّث عن أول من أمس لأنني لم أشاهدها أمس وسأنتظر حتى تنتهي هذه "الموجة" لكي أستعيد عادتي بمتابعتها بين القنوات التي أتابع، مثلي مثل كثيرين على الأرجح. أما خطاب الأمير الجديد فقررتُ الاستماع إليه على قناة أخرى..

