تزامن إخبار الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بالإنتهاكات السوريّة للسيادة اللبنانية مع وتيرة سريعة من التطوّرات.ذهب الأردن ليحتمي تحت المظلّة الأميركيّة – الأطلسيّة، فيما بدأت طهران بترتيب ملفاتها للرئيس الإصلاحي حسن روحاني، بينما تنشغل تركيا في اهتزازاتها الداخليّة المرشّحة للتفاقم، في وقت طرحت فيه جغرافية المنطقة على مشرحة قمّة الدول الثماني، وتشعّبت المناقشات لتشمل مختلف الملفات الساخنة في المنطقة، وكيفيّة إيجاد حلول لها إنطلاقاً من البركان السوري المتفجّر، الذي بدأ يقذف بحممه الملتهبة على تركيا ولبنان والأردن، والعراق.
تحدّث العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني قبل أيام، بلهجة الواثق عن جَبه أي خطر يستهدف السيادة الأردنيّة. صدر هذا الموقف بعد وصول جنود أميركيّين الى عمان، مع سرب من الطائرات الحربيّة الحديثة، وبطاريات صواريخ "باتريوت".
قيل إنّها خطوة أميركيّة – غربيّة متقدّمة لفرض منطقة حظر جوّي على سوريا، لكنّ المؤكد أنها تعكس اهتماماً متزايداً بمصير ومستقبل دول الجوار، وتحديداً الأردن ولبنان، وأثمَر هذا الإهتمام خطوات عملانيّة، لأنّ في الأردن ملكاً يُمسك بمفاصل الدولة، ونظاماً متماسكاً، ومؤسّسات تخضع للمراقبة والمحاسبة بخلاف ما هو قائم في لبنان.
وتأتي المفوّضة العليا للسياسة الخارجية والأمن في الإتحاد الأوروبي كاترين آشتون الى بيروت في سياق هذا الإهتمام الدولي. لم تكن المهمة استطلاعيّة، ولدى هذه المسؤولة فائض من المعلومات حيال ما يجري على أرض الواقع.
بل كانت مهمة تنسيقيّة، "كيف نحمي لبنان، ومؤسّساته". كلّ من التَقته حدّثها عن مخاطر النزوح السوري، وهذا ما أثار لديها الحيرة، وبدلاً من أن يتلاقى الجميع في ورشة عمل متعاونة لتلافي الكارثة، وجدت أنّ "الكارثة" متمثلة بالفراغ الذي يفتح الأبواب وسيعة أمام الفوضى المسلّحة ؟!".
لقد تزامن الإخبار الرئاسي الى الأمم المتحدة مع زيارة آشتون، لتلافي تداعيات المستقبل، ذلك أنّ معركة القُصير لم تحسم وضع الثغور المفتوحة على طول الحدود اللبنانية – السورية، خصوصاً ما بين مناطق الهرمل – عرسال، حيث التهريب، والجيوب الجبلية التي ينتشر فيها مسلّحون "متعدّدو الجنسيات"، وحيث أمر المهمة الصادر عن محور النظام – "حزب الله" يقضي بتولّي الجيش اللبناني مسؤولية "تحرير" هذه الجيوب تحت شعار "الإنتشار على طول الحدود"؟!
وأدركت الدول الصديقة خطورة ما يحاك ويدبّر، وكأنّ المطلوب أن يسري الفراغ على المؤسّسة العسكرية لتجتاح الفوضى كلّ شيء، وتتمكن من البلد، وما تبقى فيه من مظاهر دولة ومؤسّسات، وسلم أهلي.
أما المعالجة فلا تزال "خارج المتداول"، وما عبّرت عنه آشتون كان لمّاحاً: "كان مطلب اللبنانيّين أن ترفع سوريا يدها عن لبنان لإعادة بنائه، ولمّا خرجت، عاد اللبنانيّون يتناحرون في ما بينهم، وحملت الكيدية البعض على استيراد التداعيات السورية لتوظيفها في الداخل، فلا ارتاح لبنان في ظلّ الهيمنة السورية، ولا هو يرتاح في ظلّ الإنتفاضة السوريّة؟!".
ويأتي تورّط "حزب الله" ليأخذ البلد الى حيث يريد. كان بإمكانه أن يحدث فكّ ارتباط ما بين خياراته والإستحقاقات الدستوريّة، فيذهب الى القُصير، وإلى ما هو أبعد من القُصير، تاركاً للمسؤولين تشكيل حكومة حيادية ترعى شؤون الناس، بدلاً من أن يفرض شروطه وخياراته.
وعندما قرّر الإنخراط في الداخل السوري، كان عليه أن يدرس كلّ الإحتمالات، لا أن يأخذ المؤسّسة العسكريّة بجريرة خياراته، أو أن يحدّد لها الأدوار والمهمّات التي تخدم مشروعه، تارة بإسم "ضبط الحدود"، وتارة أخرى تحت مسمّى "إنقاذ السلم الأهلي"، او "الزود عن السيادة المنتهكة في البقاع من المعارضة السوريّة؟!".
الإخبار الرئاسي كان ضرورة وطنية. كان المجتمع الدولي بحاجة الى موقف رسمي مسؤول يؤكد "إعلان بعبدا"، وسياسة النأي بالنفس، بعد التورّط. مضمون الإخبار متوازن، إنه يفضح انتهاكات السيادة سواء كان مصدرها جيش النظام، أو "جيوش" المعارضة، ويؤكد أنّ الدولة ليست تابعة لـ"حزب الله"، ولا مقطورة تجرّها قاطرته، بل عليه ان يلتحق هو بالدولة وخياراتها بعدما عرّى نفسه أمام المجتمع الإقليمي والدولي إثر تورّطه في الداخل السوري.
وإنّ الآتي من الأيام، وما قد تحمله من أحداث ومفاجآت قد يكون مصيريّاً، وليس من مظلة واقية للوطن والكيان، إلا مظلة الأمم المتحدة، ومجلس الأمن… يسأل المجتمع الدولي لبنان بإستغراب: كيف لحزب قيل إنه نذر نفسه للدفاع عن الوطن في وجه المطامع الإسرائيلية، أن يتحوّل الى مغامر ومقامر به، خدمة لمشروع مشبوه؟!

